د يوسف عبيدالله خريسات يكتب: بلاغة التكرار في خطاب العرش

د  يوسف عبيدالله خريسات  يكتب: بلاغة التكرار في خطاب العرش
نبأ الأردن -
تجلت بلاغة التكرار في خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، بوصفها أداة لتثبيت المواقف وتأكيد الأولويات. فقد جاء تكرار بعض المفردات والتراكيب محمّلًا بدلالات سياسية ووطنية تتجاوز التأكيد اللغوي إلى ترسيخ الرسائل في الوعي العام.
في قضية المياه، قال جلالة الملك: «المياه، المياه، المياه!». تكرار مباشر يضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية، وهو ما أكده بقوله: «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه». فالتكرار هنا يختصر خطورة التحدي ويؤكد أن المياه قضية أمن واستقرار ومستقبل.
وفي سياق آخر، تتخذ كلمة «واهم» وظيفة الحسم السياسي، إذ يقول جلالته: «فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم. ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم. ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضا واهم». ويؤدي تكرار الكلمة في ختام العبارات الثلاث إلى تثبيت موقف واضح من الطغيان، والتأكيد على أن الحقيقة لا يمحوها الزمن، وأن الأردني متمسك بمبادئه.
أما القضية الفلسطينية، فيؤكد الخطاب ثبات الموقف الأردني واستمراره، بقوله: «ما زلنا ثابتين على موقفنا، متمسكين بعروبتنا وبالدفاع عن قضايا أمتنا - كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي - لتبقى الكلمة العربية الموحدة - وإن بدت بعيدة - مرادنا وهدفنا». ويعزز هذا المعنى قوله: «ونؤكد مرارا وتكرارا ألا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه». فالتأكيد المتكرر يربط الموقف الأردني بثوابته التاريخية، ويمنحه استمرارية تتجاوز الظروف السياسية.
وفي حديثه عن الإنسان الأردني، يقول جلالة الملك: «ولا يزال رهاني على الأردني، على وعيه حين تلتبس الطرق، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حينما تشتد المحن». ويكشف تكرار أداة «على» عن بناء تركيبي يجمع صفات الوعي والحكمة والإخلاص والوفاء، ويؤكد أن الإنسان الأردني هو موضع الثقة والرهان في مواجهة التحديات.
ويمتد التوكيد إلى مسؤولية المؤسسات ومركزية المواطن، إذ يقول جلالته: «مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه»، ويؤكد أن «القانون لا يعرف اسما، ولا منصبا، ولا نفوذا». وهكذا تتكامل دلالات المصلحة العامة والعدالة وسيادة القانون، بوصفها معايير للحكم على أداء المؤسسات.
ويحضر البعد الوجداني في استهلال الخطاب باستذكار شهداء الكرك: «إن دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا»، ثم تأكيد أن الأردن «كان وسيبقى عصيا على كل معتد غاشم». وهكذا يرتبط الوفاء للشهداء بمعاني الصمود والتماسك الوطني.
تتوزع بلاغة التكرار في الخطاب بين التكرار اللفظي في «المياه» و«واهم»، والتكرار التركيبي في «على وعيه» و«على حكمته»، والتكرار الدلالي في تأكيد الثوابت والمواقف. وتحمل هذه المستويات معاني محددة أراد الخطاب ترسيخها: أولوية الأمن المائي، ورفض الطغيان ومحو الحقيقة والتراجع عن المبادئ، والثبات على دعم فلسطين، والثقة بالإنسان الأردني، ومركزية المواطن وسيادة القانون، والتماسك الوطني في مواجهة المحن.
إن التكرار في جوهره أسلوب للتأكيد، لكنه في الخطاب السياسي يتجاوز إعادة اللفظ إلى تثبيت الموقف وترسيخ الأولوية وتوجيه انتباه المتلقي إلى المعنى المراد إبقاؤه حاضرًا في الوعي العام. فكلما تكررت العبارة ازدادت دلالتها بروزًا، وأصبح المعنى أكثر رسوخًا في الذاكرة السياسية والوطنية.
سياسيًا، يؤدي التكرار في خطاب العرش وظائف تتجاوز التأكيد البلاغي؛ فهو يحدد الأولويات الوطنية، ويعلن ثبات المواقف الأردنية، ويرسم حدود الموقف من الطغيان والاعتداء على الحقوق، ويجدد الالتزام بالقضية الفلسطينية، ويعزز الثقة بالإنسان الأردني، ويؤكد مسؤولية المؤسسات وسيادة القانون. كما يوجه الرأي العام نحو القضايا التي تتطلب إجماعًا وطنيًا، ويبعث برسائل واضحة إلى الداخل والخارج بشأن ثوابت الدولة ومصالحها. وبذلك يغدو التكرار وسيلة سياسية لترسيخ الموقف، وتوجيه الانتباه، وتحويل الأولويات المعلنة إلى مرجع للعمل الوطني.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions