عمر الدريني يكتب : حمود واختبار الثقة: ماذا ينتظر المواطن من الدولة بعد الصدمة؟
نبأ الأردن -
في الأزمات الكبرى، لا يتابع المواطن ما تقوله الدولة فقط؛ إنه يراقب ما تفعله، وكيف تتحدث، ومتى تشرح، وهل تبقى حاضرة بعد أن تتراجع عناوين الأخبار، قد تنجح الأجهزة في احتواء الخطر، وقد تعلن الجهات المختصة نتائج مهمة، لكن الثقة العامة تُبنى من مجموع التفاصيل التي يلمسها الناس، لا من بيان واحد مهما كانت لغته مطمئنة.
ما جرى في بلدة حمود بالكرك وضع هذه العلاقة أمام اختبار صعب، اعتداء داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، خلال مراسم تشييع، أوقع تسعة قتلى وأربعة وثلاثين مصابًا، لم تكن الصدمة مرتبطة بعدد الضحايا وحده؛ فقد مست شعور الأردنيين بأن أماكن العبادة ومناسبات الوداع ينبغي أن تبقى بعيدة عن العنف، وفي بلد اعتاد أن يرى تنوعه الديني والاجتماعي جزءًا من حياته اليومية، كان وقع الاعتداء أعمق من حدود البلدة التي وقع فيها.
جاءت الاستجابة الرسمية على أكثر من مستوى، ترأس جلالة الملك اجتماعًا لمجلس الأمن القومي في الرابع والعشرين من تشرين الأول، ووجّه إلى تقييم أمني شامل، واتخاذ إجراءات عملية لتعزيز الجاهزية والوقاية، ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، وبعد يومين، أعلنت الحكومة القبض على ثلاثة متورطين، مع التأكيد أن التحقيقات وجمع الأدلة الفنية مستمران، وأن القضية لم تنتهِ بمجرد القبض عليهم، كما أُعلن الحداد العام في المملكة لمدة ثلاثة أيام على أرواح الضحايا.
هذه خطوات مهمة، ومن الإنصاف الإشارة إليها، لكن من الخطأ أن نتصور أن الثقة تُستعاد تلقائيًا بمجرد نجاح الاستجابة الأولى، المواطن يريد أن يعرف ما الذي جرى، وأن يطمئن إلى أن الجهات المعنية تتابع الملف حتى نهايته، وأن يرى أثر القرارات التي أُعلنت في الواقع، وهو لا يطلب بالضرورة تفاصيل قد يضر نشرها بالتحقيق؛ بل يريد خطابًا رسميًا واضحًا، يفرّق بين ما ثبت وما لا يزال قيد الفحص، ويعود إلى الناس حين تتوافر معلومات جديدة.
وهنا تظهر قيمة الاتصال الحكومي في الأزمات، فالصمت الطويل يترك مساحة للشائعات، والإفراط في التصريحات قد يخلق توقعات لا تستطيع المؤسسات الوفاء بها، وبينهما طريق مهني أصعب: معلومات دقيقة في وقت مناسب، وإجابة مباشرة عن الأسئلة المشروعة، واعتراف واضح بما لم تتضح تفاصيله بعد. لا شيء يضعف الثقة مثل أن يسمع المواطن روايات متضاربة، ثم يكتشف لاحقًا أن بعض ما قُدم له بوصفه حقيقة لم يكن كذلك.
والثقة لا تتعلق بالأمن وحده، أسرة فقدت ابنًا تحتاج إلى متابعة لا تنتهي عند تقديم واجب العزاء، ومصاب يحتاج إلى علاج وتأهيل ومساندة بحسب حالته، ومجتمع محلي يحتاج إلى أن يشعر بأن ما حدث لم يجعله خارج الاهتمام بعد انقضاء الأيام الأولى، لا ينبغي أن تتحول هذه الاحتياجات إلى وعود عامة؛ الأفضل أن تكون هناك متابعة واضحة، وجهة يعرف المتضررون كيف يصلون إليها، وتقييم لما يحتاجونه فعلًا.
كذلك فإن حماية الوحدة الوطنية ليست مهمة خطابية تُستدعى عند وقوع اعتداء، إنها ممارسة يومية في المؤسسات والمدارس والإعلام، وفي طريقة تطبيق القانون على الجميع، حين يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن كرامته لا تتوقف على دينه أو أصله أو مكان سكنه، تصبح المواطنة تجربة يلمسها، لا عبارة يسمعها في المناسبات، ومن هنا، فإن رفض التعميم وخطاب الكراهية ليس مجاملة لمكوّن اجتماعي، بل دفاع عن قاعدة تحمي المجتمع كله.
ولا بد أن تشمل المراجعة التي أعقبت الحادثة تقييمًا لما جرى، وما يمكن تحسينه في تبادل المعلومات والجاهزية والوقاية، هذه المراجعة لا تعني افتراض تقصير قبل ظهور نتائجه، كما لا ينبغي أن تكون إجراءً إداريًا ينتهي بتقرير محفوظ، قيمتها الحقيقية أن تتحول توصياتها إلى خطوات محددة، وأن يعرف أصحاب القرار ما نُفذ منها وما تعثر، ولماذا.
لا تحتاج الدولة إلى أن تكون معصومة من الخطأ حتى تحظى بثقة مواطنيها؛ تحتاج إلى أن تكون واضحة، وأن تحاسب وفق القانون، وأن تصحح حين تكشف المراجعة خللًا، وأن تظل قريبة من الناس في الأيام التي لا تتصدر فيها الكاميرات المشهد، هذه هي المسافة بين إدارة أزمة عابرة وبناء ثقة تدوم.
ستبقى حمود جرحًا في الذاكرة الأردنية، لكن ما سيحدد أثر هذه التجربة على المدى الأبعد هو ما ستتركه من نتائج عملية، فالناس لا ينسون سرعة الاستجابة، لكنهم يتذكرون أيضًا ما حدث بعدها: هل عرفوا الحقيقة؟ هل حُفظت حقوق المتضررين؟ وهل تحولت القرارات إلى حماية أفضل؟ تلك هي الأسئلة التي يُقاس بها رصيد الثقة بعد انقضاء الصدمة.
























