عبدالهادي راجي المجالي يكتب : من هو المسيحي في الكرك ؟

عبدالهادي راجي المجالي يكتب : من هو المسيحي في الكرك ؟
نبأ الأردن -
من هو المسيحي في الكرك ؟
منذ (3) أيام وأنا أحاول أن أقلب السؤال في ذهني ، حتى أقدم إجابة شافية ...المسيحي في الكرك ليس هو ابن الصورة التي قدمها الإعلام في الأيام التي مضت  بعد حادثة حمود ...هو ليس أقلية ، هو ليس ضعيفا ..وهو لايحتاج لنجوم السوشيال ميديا حتى يأتوا إلى حمود ويمارسوا التباكي ، وهو لايحتاج لخطابات عن التعايش والأسرة الكبيرة الواحدة ، هو لايحتاج لنظرة حزن ..ولا نظرة ألم ، ولا يحتاج لخطابات النواب أو مقالات من يبحثون عن الضوء ...

سأقدم هذا المقال للشباب المسيحي في الكرك لمن هم أقل من (30) عاما ، أما من هم بمثل جيلي فقد خضعنا دوما للرواية الرسمية - وللأسف - صرنا مثل من يصعد أسطح المنازل حتى يبحث عن تغطية لهاتفه ..من هم بمثل جيلي لديهم ضعف في التغطية ،أو أنهم أصبحوا خارج التغطية تماما .

أعود للسؤال من هو المسيحي في الكرك ؟
لو أن الذين كانوا في الكنيسة يومها من شباب الهلسه أو الحجازين أو العمارين أو المدانات أو الزريقات ..بمن هم في سن ال (30) ..وأطلقت عليهم النار ، فهل سيتركون هؤلاء القتلة يمضون هكذا ؟ سيلحقون بهم حتى لو على نزفهم وسيطحنون الفك بالفك ...لكن أغلب من كانوا في الكنيسة وأغلب الشهداء هم من كبار السن ومن الوجهاء من الاباء والأمهات ...

أعود للسؤال ..من هو المسيحي في الكرك ؟

المسيحي في الكرك ..هو أستاذنا (موسى الزريقات ) ..الذي كان حين يقدم لك صفعة على الوجه تحفظ القصيدة عنوة ، موسى كنا نخاف رؤيته في الشارع ونهرب ، وموسى لم يكن معلما ...كان مربيا يزرع في قلوبنا الرعب إن تأخرنا عن حصة العربي ، كان الكل يهابه حتى أولياء الأمور تخاف منه ..
والمسيحي في الكرك هو الراحل فريد الحوراني ، فريد في زمن الأحكام العرفية ، كان يؤسس خلايا البعث وكان يرسل من ضاقت به سبل التعليم من أولادنا إلى العراق كي يدرسوا في جامعاتها ، فريد الحوراني لو وضعت على صدره كل أثقال الأرض مقابل أن يتخلى عن البعث  أو يترك البعث لما تركه ....والمسيحي في الكرك هو (مشعل الخيطان) ...مشعل  كان (الكلاشينكوف ) رفيقه ، قاتل في لبنان ولم يكن يدري مصيره ، واعتقل في (انصار) لدى إسرائيل ( 10) سنوات ...كان الإمام في المصلين ، إسرائيل لم تعرف هويته لم تعرف أنه كان أحد أعظم قيادات الجبهة الشعبية ...واجه الموت كل يوم ألف مرة ، في النهاية غادر الدنيا ولم يضع اسمه في كتاب النضال بل سجله قبل ذلك في كتاب الرجولة ...المسيحي في الكرك هو : يعقوب الزيادين الذي رفض أن يكون مناضلا عربيا بل كان أمميا تفتح له بوابات الحزب الشيوعي الروسي حين يصل موسكو ، هو الذي تحمل تحطيم أصابعه وتكسير ضلوعه في الإعتقال ...وتحمل نزف الدم لأجل المباديء .

المسيحي في الكرك هو توما سلامه الحجازين ، الذي لم يغادر موقعه في حرب ال (67) ..وظل خلف الرشاش يرمي إلى أن جاءت ساعة المنية ، استشهد ورفض أن يكون أسيرا ، واستشهد على أطهر تراب ..تراب القدس ودفن في كنيسة اللاتين هناك ، مازال مرقده يروي حكاية الشرف والمنازلة والاقتدار ..والمسيحي في الكرك هو جريس عيسى الهلسه الذي سقط على تراب فلسطين في العام (1948) رفيق حابس المجالي ...وابن الغضب والأيام الثقيلة ، قرر الشهادة في فلسطين وودع الكرك دون دمعة ودون حزن ..لأنه يعرف أن الرجولة تحتاج صلابة قلب .

والمسيحي في الكرك – وتلك رسالة مهمة للشباب المسيحي الذي لم يتجاوز عمره ال  30  عاما -  ...أخذ أرضه بالسيف والقتال ، حمود والسماكية وأدر و(مقاسم المسيحية) ...أخذت بعد منازلات حادة خاضها أجدادكم بالسيف ، ذبحوا أعداء الكرك وذبح منهم الكثير ...تلك الأرض حين قسمت وكانت حصة أجدادكم منها كبيرة ، لم تكن منة ولا عطية أوبيعا أو شراء ..بل كان الدم دونها .

والمسيحي في الكرك هو الذي لز كتفه لكتف قدر المجالي ، ودفع الدم في زمن (الهية) ....والمسيحي في الكرك ، حين تعد (الزلم ) تجده في مقدمتهم ...
يوسف القسوس حين كان مديرا للخدمات ، قاتله البعض وتعرض للتشويه ، لكن أصر أن يرسل أولادنا إلى أفضل جامعات لندن حتى يتعلموا الطب ..ونزيه العمارين ، حملته الكرك على أكتافها حين حاول رئيس وزراء منصرم التطاول عليه ، نزيه كان أسدا في البرلمان وأسدا في السياسة ...يا ليت أن نوابنا مثل نزيه .

والمسيحي في الكرك حين كنا نذهب ونحن صبية للعب كرة القدم مع القرى المجاورة ، كان أول من يقتحم ساحة (الهوشة) واخر من ينسحب ، وما زال (عيال) الزريقات حين نجلس معهم ونتذكر صبانا في الربة يقرأون على مسامعنا زمنا كان الشقاء فيه ديدننا ، وكان (أبونا الدو) أول من (يفزع ) معنا في الهوشة إن تعرض أحد من (عيال الربة) للأذى .

المسيحي في الكرك هو الجذر هو بداية القصة لا نهايتها ، هو الذي بنى التعليم   ..هو الذي أنتج من هذه المحافظة ، عاصمة سياسية للأردن ..هو الذي قاتل في الغزوات ، وصد عن الكرك السيوف والخيول والليالي الغادرة ...
والمسيحي الكركي إن خدم في مكافحة المخدرات ، تجده أول من يقتحم في العملية ، وإذا خدم في القوات الخاصة تجده أفضل قناص ، وإذا لعب كرة القدم كان هداف الفريق ، وإذا عمل طبيبا في الخدمات وجاءت حالة مستعصية ، يترك زوجته والأولاد ويتقدم للعملية ، حين يخاف الكل من فتح بطن المريض ..الكرك لم تنتج صليبا يستدر العطف ، الكرك نصبت الصليب المقاتل والصليب الشرس والصليب المدافع عن أرض هي مهد المسيحية وأول الشرق وأول حصون الحب والحياة .

أقول للجيل الجديد من  (مسيحية الكرك) ، لقد ولدتم في الكرك على سفح الحياة ، تقاتلون لأجل الكرك ذاتها ولأجل أنفسكم ، ولأجل أن تصونوا الأرض التي كانت دماء أجدادكم حصنا لها ...إياكم أن تقبلوا الصورة التي يرسمها إعلامنا الهزيل للأسف ، نحن لانضعف ولو أن كل بنادق الدنيا وجهت إلى صدورنا ..منذ ألف عام وقدرنا أن ندفع الدم في هذا الوطن ، منذ هزاع وقدر ..منذ مسلم المطارنه ، منذ حسين وابراهيم الحباشنه ، منذ اسماعيل الشوفي الذي أعدم بسيفه في القدس ...نحن نرفض أن نقدم في الإعلام بصورة غير صورتنا الحقيقية ، نحن نلثم الجرح ونمضي ولا نسمح لأحد أن يرى دمعنا .

أقول للشباب المسيحي في الكرك ، الصورة التي قدمت عن حمود لم ترق لي ....وللأسف الإعلام الهزيل الخالي من الوعي ، ركز على استدرار العطف ، ركز على فكرة التعايش ، كأن المسيحية في الكرك طائفة ..هي ليست طائفة هي جذر الكرك وأول الكتب ، وأول منابر التنوير وأول السيوف ...
تذكروا جيدا ..الصليب في الكرك ليس كأي صليب في الدنيا ، الصليب في الكرك نصب على قباب الكنائس وأسطحها مقاتلا ، ومازال دم المسيح ينزف منه...أنتم من شوامخ الكرك وأجمل (زلمها) فلاتسمحوا للرواية أن تختصر تاريخكم بدمعة هنا أو بكاء هناك .

صدقوني أن عاصم البرقان ، سيصعد يوما من قبره ...ومعه بقية الشهداء ، ويأخذون للكرك ثأرها .
حماكم الله .
عبدالهادي راجي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions