عمر الدريني يكتب: يوم المدير العالمي 16 تشرين الأول مدير المدرسة ليس رجل إطفاء: كيف ننتقل من إدارة الأزمات إلى منعها؟

عمر الدريني يكتب:  يوم المدير العالمي 16 تشرين الأول مدير المدرسة ليس رجل إطفاء: كيف ننتقل من إدارة الأزمات إلى منعها؟
نبأ الأردن -
في بعض المدارس، يبدأ اليوم بمشكلة صغيرة، ثم تتبعها أخرى، قبل أن يجد المدير نفسه ينتقل من موقف إلى آخر دون أن يحصل على وقت كافٍ لفهم أسباب تكرارها، يتدخل لاحتواء خلاف، ثم يتابع شكوى، ثم يعالج خللًا تنظيميًا، ثم يعود إلى ملف سابق لم يُغلق بعد، وقد ينتهي اليوم وقد عولجت المشكلات العاجلة، لكن السؤال الأهم يبقى دون إجابة: لماذا تتكرر؟
إن القدرة على التعامل مع الأزمات من المهارات الأساسية للقائد المدرسي، لكن الاعتماد الدائم على التدخل السريع ليس دليلًا كافيًا على قوة الإدارة، فالمؤسسة التي تعالج المشكلة بعد وقوعها، دون أن تتعلم من أسبابها، قد تبقى أسيرة دائرة من الاستجابة المتكررة التي تستهلك الوقت والجهد وتؤخر التطوير.
الانتقال إلى القيادة الوقائية يبدأ بتغيير السؤال، فبدل الاكتفاء بمعرفة من تسبب في المشكلة، ينبغي البحث في الظروف التي سمحت بوقوعها، والإجراءات التي لم تكن واضحة، والمعلومات التي لم تصل في الوقت المناسب، والمهارات التي تحتاج إلى تطوير، ولا يعني هذا إلغاء المسؤولية الفردية، بل وضعها في سياق يساعد على فهم ما حدث ومنع تكراره،
إذا تكررت مشكلة في الانضباط، مثلًا، فلا يكفي تكرار التعليمات وحده، قد تحتاج المدرسة إلى دراسة الأوقات التي تقع فيها المشكلة، والأماكن التي تتكرر فيها، وطبيعة التفاعل بين الطلبة، ووضوح القواعد، ومدى فاعلية الإشراف والتواصل مع الأسرة، وقد تكشف هذه المراجعة أن تعديلًا تنظيميًا بسيطًا يحد من المشكلة أكثر من سلسلة من الإجراءات المتشابهة.
وإذا تكررت أخطاء في المعاملات أو التواصل، فقد يكون السبب غياب إجراء موحد أو عدم وضوح المسؤوليات. وعندها يكون الحل في تحديد المسؤول عن كل خطوة، وتوفير تعليمات مفهومة، ومراجعة طريقة انتقال المعلومات، أما مطالبة الأفراد بمزيد من الانتباه دون معالجة خلل النظام، فقد لا تحقق تحسنًا مستدامًا.
ويستطيع مدير المدرسة قيادة هذا التحول من خلال سجل للمشكلات المتكررة، واجتماعات قصيرة تركز على الحلول، وتحديد إجراءات وقائية، ثم مراجعة النتائج بعد مدة واضحة، كما يستطيع تفويض بعض المسؤوليات إلى فرق مدرسية، بما يمنع تحول كل تفصيل إلى ملف ينتظر تدخله الشخصي.
لكن الوقاية تحتاج إلى بيئة تسمح بالإبلاغ المبكر، فإذا خشي المعلم من الإشارة إلى خلل، أو شعر الطالب بأن شكواه لن تجد من يسمعها، أو اعتقد الموظف أن الاعتراف بالمشكلة سيُستخدم ضده تلقائيًا، فقد تصل المعلومات متأخرة، بعد أن يصبح التدخل أكثر صعوبة.
وهنا تظهر مسؤولية الإدارة التعليمية في توفير التدريب على إدارة المخاطر، وحل النزاعات، وتحليل الأسباب، واستخدام البيانات، كما ينبغي توضيح مسارات التصعيد، وتجنب تضارب التعليمات، ومساندة المدارس عندما تتجاوز المشكلات حدود صلاحياتها.
ولا يعني النهج الوقائي أن المدرسة تستطيع منع كل مشكلة؛ فالمؤسسات التي تتعامل مع البشر ستواجه دائمًا مواقف غير متوقعة، لكنه يعني أن تتعلم من كل تجربة، وأن تقلل احتمالات التكرار، وأن تجعل الاستجابة أكثر وضوحًا عندما تقع الأزمة.
في يوم المدير، لا ينبغي أن نكتفي بتقدير قدرته على التدخل عند وقوع المشكلة. الأجدى أن نقدر قدرته على بناء نظام يكتشف الخلل مبكرًا، ويوزع المسؤوليات، ويحول الخبرة اليومية إلى تحسين مؤسسي.
المدير الناجح ليس من يثبت أنه يستطيع إطفاء كل حريق، بل من يساعد مدرسته على فهم أسباب الحرائق المتكررة وتقليلها، فالقيادة التي تنتظر الأزمة تنشغل بالماضي، أما القيادة الوقائية فتصنع للمستقبل مساحة أوسع من الأمان والاستقرار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions