م. صلاح طه عبيدات يكتب: الفلسفة الخفية للشعوبية من نكبة البرامكة إلى صراع الهوية المعاصر
نبأ الأردن -
في سجال التاريخ الحضاري، لا تُقاس الحروب الحقيقية بوقع السلاح وصهيل الخيل في ساحات المعارك، بل بأشدها ضراوة وأطولها خديعة: تلك التي تُدار في خفاء الأفكار، وتُنسج في خبايا الأدب، وتُغرس سمومها في تضاعيف الذاكرة الجمعية للأمم. إن ما يُسمى بالنعرة الشعوبية لم يكن يوماً مجرد منافسة أدبية بيضاء أو سجال إثني عابر، بل كان وما يزال مشروعاً تفكيكياً هجومياً استهدف ضرب المركزية السياسية، واستئصال الرمزية الحضارية للأمة من داخل قلعتها المتينة. إن قراءة عميقة لآليات هذه الحركة تكشف بوضوح كيف تحول الفكر الشعوبي من نزعة استعلاء عرقية إلى أداة سياسية ناعمة وخبيثة، غايتها تقويض الدولة الوطنية، وتجريد قيادتها من مشروعيتها الأخلاقية، وإحلال التبعية للهويات الفرعية محل السيادة المطلقة.
تعتمد الفلسفة السياسية للأنظمة والدول على مفهوم المشروعية الرمزية، وهي الصورة الذهنية الصلبة التي ترتسم في أذهان الشعوب عن سلطتها الحاكمة؛ بين كونها رمزا للعدل والحضارة والمنعة، أو مجسمًا للبطش والمجون والانحلال. من هذا المنظر الفلسفي، أدركت التيارات الشعوبية – وفي طليعتها القوميات المأزومة التي اضطهدت روح السيادة العربية – أن المواجهة المباشرة مع الدولة وهي في أوج قوتها وحضورها العسكري أمرٌ محكوم بالفشل. فكان البديل هو خوض حرب استنزاف ناعمة تعتمد على تفكيك النموذج الحضاري من الداخل: تحويل الرمز إلى نقيضه، وضخ التناقضات السلوكية في السير التاريخية، وتعميد الأساطير على حساب الحقائق الناصعة، حتى يستحيل المصلح في أذهان العامة طغية، ويُمسخ العصر الذهبي إلى مجرد تخمة مالية تعيش على هامش الترف والمجون. إنها ذات الإستراتيجية التي تتكرر اليوم بأدوات حديثة؛ حيث تُستهدف الرموز الوطنية ويُطمس الإنجاز الحضاري لصالح روايات هشة تُصنع في دهاليز الاختراق الثقافي والإعلامي.
ولعل أسطع مثال على هذه الحرب النفسية المسيسة، التعاطي الشعوبي مع شخصية الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي أقام واحدة من أعظم دول التاريخ حجاً وغزواً، ورفع بنيان العلم ببغداد حتى أضحت عاصمة العالم ومحج علمائه ومخترعيه. غير أن الأقلام الشعوبية المسمومة عملت وفق منهجية خبيثة على إسقاط هذا الشامخ الحضاري، فاختزلت عصراً زاخراً بالترجمة وبناء المستشفيات وصناعة الورق والمبتكرات الميكانيكية، في ليالٍ من الجواري وأوهام القصور. ثم جاءت "نكبة البرامكة" لتكشف عورة هذا الفكر الحاقد؛ فحين مارس الرشيد حقه السيادي المشروع في كبح تغول أسرة أجنبية حاولت ابتلاع مفاصل المال والجيش والقرار السياسي، صوّرت الأقلام الشعوبية القرار الحاسم لحماية أمن الدولة بوصفه "غدراً عربياً وحشياً" بأهل الفضل، ونسجت الروايات التراجيدية العاطفية لإظهار الحاكم العربي بمظهر الطاغية المستبد الذي يضحي بعهوده نزوةً وغضباً، متجاهلين أن صيانة سيادة الأمة لا تُدار بالعواطف المستوردة بل بصرامة القرار الوطني.
إن الآثار السياسية الكارثية لهذا الفكر الخبيث لم تكن يوماً حبيسة الكتب والمخطوطات القديمة، بل هي واقع سياسي معيش يُعيد إنتاج نفسه في عالمنا المعاصر. لقد أسست الشعوبية لبذور التفتيت الإثني والمذهبي داخل الجسد الواحد، وحوّلت الولاء من الفضاء الحضاري الجامع إلى الحارات العرقية والطائفية الضيقة، مما أضعف هيبة المركز التجندني وشجع القوى الإقليمية والدولية على التطاول على القرار العربي المستقل. واليوم، حين نرى محاولات التشكيك الممنهجة في الهوية العربية، وتشويه الرموز الوطنية، وتزييف الوعي التاريخي لإشاعة روح الهزيمة النفسية، ندرك أن المعركة لم تتغير، وأن الشعوبية أضحت عقيدة لكل من يستهدف تجريد العرب من اعتزازهم بآبائهم الحضاريين ومقومات سيادتهم.
إن القراءة الفلسفية الواعية لهذا الصراع تدعونا إلى إدراك حقيقة حاسمة: إن من يملك صياغة الماضي والتلاعب بروايته، هو وحده من يملك السيطرة على الحاضر وتوجيه مسارات المستقبل. إن إنصاف رموزنا الحضارية وتفكيك الروايات الشعوبية المأزومة بصلابة وعمق، ليس مجرد دفاعٍ عاطفي عن أشباح غادرت التاريخ، بل هو خوضٌ لصلب المعركة السياسية الراهنة، واستردادٌ حازم للوعي التاريخي والكرامة الوطنية، وتأكيدٌ صارم على أن هذه الأمة التي أضاءت ظلمات العالم بعلمها وقوتها، تملك كل مقومات النهوض والسيادة من جديد، رغماً عن كل محاولات التشويه والختل والتفكيك.

























