عبدالله بني عيسى يكتب : كيف ولماذا باتت الصحافة محل سخرية وتهكم !
نبأ الأردن -
في بداية التسعينيات، تخرجت للتو من الجامعة، حاملاً حلم تغيير الكون بقلمي. لكنني وجدت نفسي، وآخرين من خريجي الإعلام، نلهث وراء أي فرصة عمل تنقذنا من البطالة، ذلك الوحش الذي يقضم أبناء القرى بالذات قطعةً قطعة.
كانت المؤسسات الإعلامية والصحفية الكبرى مغلقة في وجه كل من لا يمتلك «واسطة». وبينما كنا نطرق أبوابها، فنُواجَه بالصد أو بالاعتذار عن "عدم وجود شواغر أو موارد"، كان آخرون يتسللون إلى صفوف العاملين فيها ويتقاضون رواتب "دار أبي سفيان" (الشغل والكفاءة ليسا من شروط التوظيف أصلاً).
والحقيقة أن الحال لم يتغير كثيراً؛ فما زالت «الواسطة» بأشكالها المختلفة وحساباتها التي لن تفهمها يوماً معياراً أساسياً في التوظيف أو شغل مواقع متقدمة (ما علينا).
المهم لم يكن أمامنا، ونحن في مقتبل العمر، سوى الصحف الأسبوعية التي كانت تصدر بأعداد لافتة آنذاك، حتى تجاوز عددها 30 صحيفة في ذروة الطفرة. كانت هذه الصحف أشبه بالدكاكين، وصاحب الدكان لا يتردد في استغلال العامل لديه أبشع استغلال. أنا مثلاً، قبلت براتب قدره 30 ديناراً شهرياً في أول وظيفة صحفية لي في إحداها بعدما رفضتني الصحف الكبرى.
لكن المشكلة لم تكن في الراتب وحده، بل في الحلم الذي جئنا نحمله معنا. كنا نريد أن نصبح صحفيين، لكننا وجدنا أنفسنا نعمل لدى تجار كان لكل منهم حلمه الخاص، الذي لا يتطابق بالضرورة مع أحلامنا.
ومع ذلك، لم تكن تجربة الصحف الأسبوعية تماماً كما أرادها بعض أصحابها؛ فقد أسهمت ظروف معينة في حدوث طفرة صحفية هائلة لم تشهد البلاد لها مثيلاً، ووفرت مساحة من الحرية النسبية لم تكن متاحة بالقدر نفسه في المؤسسات الإعلامية الكبرى.
لكن لهذه التجربة وجهها الآخر. ففي مقابل تلك الحرية، كنا نضحي غالباً بالدقة والموضوعية والنزاهة والحياد، أي المعايير التي تجعل الصحافة مهنة محترمة. وحتى الحرية نفسها لم تكن دائماً ثمرة وعي مهني أو إيمان راسخ بحق الجمهور في المعرفة؛ فقد اتخذت أحياناً شكلاً من الفوضى التي تختلط فيها الجرأة بالتجاوز، والاستقلالية بالمصلحة، والمعارضة بالتجارة بها.
وبغض النظر عن إيجابيات التجربة وسلبياتها، فقد ظهر التمايز بين الصحفيين بوضوح مع مرور الوقت. فمنهم من استثمر في نفسه، وطوّر أدواته، وغدا صحفياً حقيقياً التحق بمؤسسات كبرى محلية وعربية. ومنهم من بقي يتصرف كعامل في دكان، لا يتجاوز أفقه حدود ما يريده صاحب الدكان.
أما موظفو دار أبي سفيان، فكان لهم مسار آخر؛ استقرار وظيفي، وتقاعد، وتأمينات، ومكارم، وتعيينات في مواقع استشارية! وبين من كان يراهن على موهبته واجتهاده ليصنع مستقبله، ومن وجد أبواب الاستقرار مفتوحة أمامه، لم تكن المنافسة متكافئة منذ البداية.
وفي الوقت الذي ظلت فيه صحافة الحكومات وإعلامها، (لم يكونا يوماً صحافة دولة وإعلام دولة بالمعنى المؤسسي) يدوران في فلك الرواية الرسمية، تأرجحت الصحف الأسبوعية «الخاصة» بين المعارضة والمتاجرة بها، والاستقلال المزعوم، واليمين المدعوم. ثم تكفلت القوانين وتراجع عوائد الإعلان بتحويل كثير منها من دكاكين إلى بسطات.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تتخذ الأزمة شكلاً مختلفاً، لكن جوهرها لا يبدو بعيداً عما عشناه، فيما "البسطات" توسعت وضمت إليها "مواقع الكترونية" بالعشرات، لا يجد بعضها سبيلاً إلى البقاء إلا بابتزاز الشركات أو تسولها للحصول على إعلان بـ 50 ليرة!
اليوم أيضاً، تعكس مفاهيم مثل «الترند» و«الخوارزميات» و«اقتصاد الانتباه» وجهاً آخر لأزمة ممتدة منذ عقود.
يجد الصحفيون المتخرجون حديثاً أنفسهم في وضع يشبه وضعنا، وإن اختلفت الأدوات والظروف. إنهم يواجهون منافسة شرسة من إعلام رقمي مفتوح أمام كل من يرغب في ركوب الموجة، بصرف النظر عن امتلاكه المؤهلات المهنية أو التزامه بالمعايير الأخلاقية. وفي الوقت نفسه، يطرقون أبواب مؤسسات صحفية ترزح تحت أعباء المديونية وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعاني إخفاقات متراكمة في إعادة هيكلة نفسها ومواكبة التحولات التكنولوجية، فلا يجدون أمامهم سوى عدد محدود من الوظائف غالبيتها في البسطات إياها.
لكن المفارقة الأهم أن كثيراً من المؤسسات الإعلامية، الرسمية والخاصة الكبرى والبسطات، باتت أسيرة «الترند» والخوارزميات واقتصاد الانتباه؛ أي إن الصحفي الذي كان يسلّم جزءاً من حلمه لصاحب الدكان، قد يجد نفسه اليوم مضطراً إلى تسليم عقله وأفكاره لما تفرضه المنصات الرقمية من معايير الانتشار والمشاهدة والتفاعل.
أما إذا سألتني عن الصحافة بوصفها رسالة تنوير، أو سلطة رابعة، أو أداة للنهوض بالمجتمعات، على غرار ما نراه في تجارب إعلامية راسخة، فسأقول لك بكل صراحة: لم ننجح يوماً في بناء صحافة تمتلك من الاستقلال والمؤسسية والاستدامة ما يمكّنها من أداء هذه الأدوار على نحو حقيقي.
ولعل المشكلة أن أزمة الصحافة والإعلام ليست معزولة عن أزمات المجتمع الذي تعمل فيه؛ فهي تعكس معاييره في اختيار الكفاءات، وطريقته في توزيع الفرص، وعلاقته بالسلطة والمال، ونظرته إلى المعرفة والمساءلة والمصلحة العامة.
وإذا لم نواجه هذه الجذور، فربما يظل الصحفيون، جيلاً بعد جيل، يغيّرون الأدوات والمنصات، بينما يظلون مجرد "براغي في ماكينات" تطحن أحلامهم وأحلام المجتمع في إعلام مهني ذي رسالة، وسيظلون موضوعاً للتهكم والسخرية.

























