اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نور الدويري تكتب: الاردن ليس متفرجا من الدبلوماسية للردع - خطاب الملك عبدالله الثاني

نور الدويري تكتب:  الاردن ليس متفرجا من الدبلوماسية للردع  خطاب الملك عبدالله الثاني
نبأ الأردن -
لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد توصيف للأزمات المشتعلة بل قراءة استشرافية للآلية التي يمكن أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط، فالملك لم يتعامل مع اللحظة الراهنة بوصفها أزمة منفصلة، بل ربط بين تراجع الانتباه الدولي، وضعف الردع، وتحول الوقائع الاستثنائية إلى سياسات دائمة.

ومن هنا تكتسب إشارة الخطاب إلى الانتباه كمورد جيوسياسي توضح أهميتها، فالمشكلة ليست فقط في وقوع الأحداث وإنما في قدرة العالم على إبقاء تركيزه عليها وكيف حين يتراجع الانتباه يتراجع الضغط السياسي والقانوني، وتصبح الوقائع التي كان يفترض أن تكون مؤقتة قابلة للتحول إلى أمر واقع.

وهذا يقود إلى ثلاثة استنتاجات استراتيجية أولًا، لا يمكن التعامل مع غزة والضفة الغربية كمسارين منفصلين. فالخطاب الملكي يقرأهما ضمن استراتيجية واحدة، بما يجعل تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي على الأرض جزءًا من مسار أوسع يهدد إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.

ثانيًا، إن استمرار استبعاد أفق الدولة الفلسطينية لا يبدو، وفق منطق الخطاب، مجرد تعثر في عملية تفاوضية، بل مسارًا يسمح بتثبيت واقع جديد كلما غاب الردع الدولي. وهنا يستعيد الملك مبادرة السلام العربية لعام 2002 باعتبارها دليلًا على أن العالم العربي لم يكن يرفض مسار السلام بل قدم إطارًا واضحًا له دون أن يحظى بالتفاعل المطلوب.

أما الاستنتاج الثالث والأكثر خطورة، فهو أن غياب الردع قد يسمح بانتقال منطق فرض الوقائع من فلسطين إلى ساحات أخرى في الإقليم ولهذا لم يأتِ تحذير الملك من التحركات في جنوب سوريا ومن المساس بالأمن المائي الأردني باعتبارهما ملفين منفصلين بل كجزء من معادلة الأمن القومي.

فالرسالة الأردنية هنا تتجاوز الاحتجاج الدبلوماسي أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني  وان اي استمرار لتراكم الوقائع دون ردع قد يجعل الأزمات الإقليمية قابلة للاتصال ببعضها غزة، وجنوب سوريا، والحدود، والمياه، ليست بالضرورة ملفات منفصلة إلى الأبد.

وهنا تكمن أخطر قراءة للخطاب الملكي ان الخطر ليس فقط في حرب جديدة، بل في أن يؤدي ضعف الردع إلى ربط حروب وأزمات متفرقة، بما يرفع احتمالات اندلاع حرب أوسع نطاقًا تتجاوز قدرة الأطراف على ضبط مسارها يدفع ثمنها العالم وليس الشرق الأوسط او القضية الفلسطينية فقط. 

في المقابل يطرح الخطاب الأردن كنموذج للاستقرار كدولة تحصّن حدودها، وتكافح الإرهاب والتهريب، وتحاول بناء موقع يربط التجارة والتكنولوجيا من الخليج إلى المتوسط.

لذلك، لم يكن خطاب الملك تنبؤا بالمستقبل بقدر ما كان تحذيرا من آلية صناعته اذ حين يتراجع الانتباه، يتراجع الضغط وحين يتراجع الضغط، يضعف الردع، وحين يضعف الردع تتحول الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة، ويبدأ شكل الإقليم نفسه في التغير.

الخطاب الملكي كان واضحا اذ ارسل رساله من عمان للعالم مفادها ان الأردن يعي ماذا يحدث ولن يتجاهل هذه الفوضى  وان على العالم ان يقف معا لإيقاف هذا الاشتعال ،كما أن الأردن لن يشيح بنظره عن امنه واستقراره وان مستعد للمواجهة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions