م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تُدفن الكفاءة وتُفصَّل المؤسسة على مقاس الواسطة
نبأ الأردن -
في لعبة الـPuzzle، لا تكفي كثرة القطع لصناعة الصورة. قد تمتلك المؤسسة كل القطع التي تحتاجها، وقد تكون بينها قطع نادرة من الخبرة والمعرفة والتجربة، لكن الصورة ستظل مشوهة إذا وُضعت القطعة الصحيحة في المكان الخطأ.
وهذه ليست لعبةً على طاولة.
إنها، في كثير من الأحيان، قصة مؤسسة بأكملها.
فأحد أخطر أمراض المؤسسات لا يبدأ عندما تنقصها الكفاءات، بل عندما يصبح معيار اختيار الإنسان هو: من يعرف؟ ومن يوصي؟ ومن يملك النفوذ؟ ومن ينتمي إلى أي دائرة؟
عندها لا يعود السؤال: من الأكثر كفاءة؟
بل يصبح، بصورة مباشرة أو مستترة:
من هو الأقرب؟ ومن هو الأضمن؟ ومن يقف خلفه؟
وهنا يبدأ الانحراف.
التوظيف الانتقائي القائم على الجهوية أو المحسوبية أو العلاقات الشخصية لا يظلم شخصًا واحدًا حُرم من فرصة؛ بل يضرب المؤسسة في أكثر نقطة حساسة فيها: عدالة الاختيار.
وحين تصبح العلاقات طريقًا أسرع من الكفاءة، تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية إلى غنيمة، والموقع القيادي من تكليف إلى امتياز، وتصبح المنافسة بين أصحاب الخبرة أقل أهمية من المنافسة بين أصحاب النفوذ.
والكارثة لا تتوقف عند التعيين.
الأشد خطورة أن يصل الأمر، في بعض البيئات المؤسسية، إلى محاولة تطويع الأنظمة والتعليمات لتناسب الاختيارات التي اتُّخذت مسبقًا.
أي أن القاعدة لم تعد هي التي تحدد الشخص المناسب للموقع؛ بل يصبح الشخص المختار أولًا هو الذي يدفع القاعدة إلى أن تتشكل من حوله.
وهنا تنقلب المعادلة كاملة.
بدل أن نقول:
هذه هي الشروط، فمن تنطبق عليه فليتقدم.
نصل إلى صيغة أكثر عبثية:
هذا هو الشخص... فلنبحث الآن عن الشروط التي تناسبه.
وحين تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تكون قد خرقت روح العدالة فحسب؛ بل تكون قد بدأت بتفكيك نفسها من الداخل.
فماذا يعني أن تُعدّل شروط موقع إشرافي أو قيادي لأن شخصًا بعينه لا يستوفيها؟
ماذا يعني أن تصبح التعليمات مرنةً أمام أصحاب النفوذ، صلبةً أمام بقية الموظفين؟
وماذا يشعر الموظف الذي قضى سنواتٍ في بناء خبرته عندما يرى أن الطريق الذي أُغلق أمامه بسبب شرطٍ معين يُفتح فجأةً لغيره بعد تعديل الشرط نفسه؟
إن الرسالة التي تصل إليه ليست بحاجة إلى تفسير:
ليست الكفاءة هي الطريق.
وعندها لا تخسر المؤسسة موظفًا فقط؛ بل تخسر ثقته.
ثم تخسر دافعيته.
ثم تخسر مبادرته.
ثم تخسر، شيئًا فشيئًا، أفضل ما لديها.
وهكذا تُقتل الكفاءة دون قرار إعدام.
يكفي أن تجعل صاحبها يرى أن سنوات الخبرة والتأهيل والإنجاز يمكن أن تتراجع أمام اسمٍ أكبر، أو قرابةٍ أقرب، أو واسطةٍ أقوى.
ومن أكثر المشاهد إيلامًا في بعض المؤسسات أن ترى شخصًا مؤهلًا يُطلب منه احترام النظام، بينما يُبحث في الوقت نفسه عن استثناءٍ لشخص آخر.
النظام يصبح مقدسًا حين يتعلق بالضعيف، وقابلًا للتفسير حين يتعلق بالقوي.
وهنا لا تعود المشكلة في «واسطة» عابرة.
إنها تتحول إلى ثقافة مؤسسية.
ثقافة تقول للموظف، من حيث لا تريد المؤسسة أن تقول:
لا تتعب كثيرًا...
لا تبنِ آمالًا كبيرة...
لا تعتقد أن الإنجاز وحده يكفي...
فقد يأتي يوم تُعاد فيه كتابة القاعدة، لا لأن المؤسسة تطورت، بل لأن أحدهم احتاج إلى قاعدة جديدة.
وهنا تحديدًا يصبح تشبيه الـPuzzle أكثر قسوة.
المؤسسة ليست فقط من يضع القطع في غير أماكنها؛ بل قد تصل إلى مرحلة تغيير شكل القطعة نفسها حتى تدخل في المكان الذي أُعدّ لها مسبقًا.
يا لها من مفارقة!
بدل أن نبحث عن الإنسان الذي يناسب الموقع، نعيد تعريف الموقع ليتناسب مع الإنسان.
وبدل أن نحمي النظام من الاستثناءات، نُكثر الاستثناءات حتى يصبح النظام نفسه استثناءً.
وبدل أن يكون القانون سقفًا للجميع، يصبح أحيانًا مطاطًا يتمدد باتجاه الأقوياء وينكمش أمام البسطاء.
والأخطر أن المؤسسة قد تستمر في العمل بعد ذلك.
المكاتب مفتوحة.
الاجتماعات منعقدة.
التقارير تُكتب.
الخطط تُعلن.
وشعارات التميز تُرفع.
لكن شيئًا جوهريًا يكون قد مات:
الإيمان بأن المؤسسة عادلة.
وهذا أخطر من تعطل جهاز أو تأخر معاملة.
فالمؤسسة تستطيع إصلاح جهاز معطل، لكنها لا تستطيع بسهولة إصلاح عقل موظف فقد ثقته بأن الجهد يُكافأ، وأن الكفاءة تُرى، وأن القاعدة تُطبق على الجميع.
لذلك، فإن أخطر «مرض داخلي» ليس أن تكون هناك واسطة.
الأخطر أن تصبح الواسطة نظامًا غير مكتوب.
وأن تصبح المحسوبية طريقةً لإنتاج القيادات.
وأن تصبح الجهوية معيارًا صامتًا للاختيار.
وأن تصبح التعديلات التنظيمية وسيلةً لتبرير اختياراتٍ اتُّخذت قبل أن تُكتب الشروط.
عندها لا تعود المؤسسة بحاجة إلى أعداء من الخارج.
هي تكون قد بدأت بإفناء نفسها من الداخل.
فالمؤسسات لا تنهار فقط عندما ينقصها المال، ولا عندما تقل مواردها، ولا عندما تتغير الظروف.
أحيانًا تنهار عندما يصبح الإنسان المناسب في المكان الخطأ، والإنسان غير المناسب في المكان الذي صُمم النظام من أجله.
وعندما تُدفن الخبرة في الهامش، ويُرفع القريب فوق الكفء، ويُعدّل النص ليستوعب الاستثناء، ثم يُطلب من الجميع التصفيق للنتيجة...
فلا تسألوا بعد ذلك:
لماذا تراجعت المؤسسة؟
اسألوا السؤال الأكثر وجعًا:
كم مرةٍ غيّرنا المؤسسة لتناسب الأشخاص، بدل أن نختار الأشخاص الذين يستحقون أن يقودوا المؤسسة؟
فالمؤسسة التي تفعل ذلك طويلًا لا تخسر صورتها فقط.
إنها تفقد روحها.
وحين تفقد المؤسسة روحها، تصبح كل القطع موجودة...
لكن لا أحد يعرف أين يجب أن توضع.
أما عبارة: «ولتذهب المؤسسة إلى الجحيم»، فليست المشكلة في المؤسسة وحدها.
المشكلة أن من يدفعها إلى هناك قد يكون، في لحظةٍ ما، هو الشخص الذي أقسم أن يحميها.
اختصر النص للنشر على فيسبوك
أضف حلولًا مؤسسية عملية
خفّف التكرار وحافظ على القوة

























