اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. مدحت الخطيب يكتب: عاد أيلول وعادت البيوت إلى وحشتها

م. مدحت الخطيب يكتب:  عاد أيلول وعادت البيوت إلى وحشتها
نبأ الأردن -
عاد أيلول، وعادت معه حرقة الغربة
ذلك الشهر الذي لا يأتي وحده، بل يحمل في حقائبه مواسم الرحيل، ودموع الأمهات، وصمت الآباء، وقلق الأبناء، ووجع الذين أجبرتهم الحياة على أن يكونوا غرباء في بلادٍ ليست بلادهم.

في أيلول، تتغير ملامح البيوت وتغلق حقائب السفر، وتُرتب الملابس، وتُخفى الدموع خلف ابتسامة مصطنعة، وتكثر الوصايا: انتبه على حالك، دير بالك على نفسك، لا تنسَ أن تتصل وكأن مكالمة هاتفية يمكن أن تعوّض غياب إنسان عن بيتٍ اعتاد وجوده.

عاد أيلول، وخفتت أصوات الضحكات والسهرات التي كانت تمتد حتى ساعات الفجر. غابت الوجوه عن المقاعد، وبقيت أماكنهم شاهدة على صيفٍ قصير مرّ كالحلم.

الأم التي كانت تملأ البيت حركةً وصوتًا، ستعود لتفتح باب غرفة ابنها دون سبب، ثم تتذكر أنه ليس هناك.

والأب الذي كان ينتظر عودة أبنائه إلى البيت، سيعود إلى كرسيه بصمت، يخفي حزنه كما يفعل الرجال الذين تربوا على أن الصبر لا يحتاج إلى إعلان.

أما الأبناء، فسيمضون إلى غربتهم وهم يحملون في داخلهم سؤالًا لا يقولونه: كم بقي من العمر لنلتقي من جديد؟

الغربة ليست أن تعمل بعيدًا عن وطنك فقط.

الغربة أن تولد لك فرحة في مكانٍ بعيد ولا تجد أهلك لتشاركهم إياها. أن تمرض ولا تجد أمًا تسأل عنك. أن تنجح ولا تجد أبًا تذهب إليه لتقول له: «لقد فعلتها». أن يعود بك الحنين إلى بيتك في منتصف الليل، فتفتح هاتفك بدل أن تفتح باب بيت أهلك.

والأشد وجعًا أن يعود المغترب بعد عام، فيكتشف أن والده قد شاب أكثر، وأن أمه أصبحت أضعف، وأن أبناءه كبروا عامًا كاملًا من دونه.

هنا فقط يفهم الإنسان أن الغربة لا تأخذ منك المسافة فقط؛ إنها تأخذ من عمرك لحظات لا تُستعاد.

كم من أم ستنتظر ابنها حتى العام القادم، وهي لا تعرف هل ستظل قادرة على الوقوف عند الباب لاستقباله؟

وكم من أب سيودع أبناءه هذه المرة، وهو يخفي في صدره خوفًا لا يريد أن يقوله؟

وكم من طفل سيكبر وهو يعرف والده من خلال شاشة الهاتف أكثر مما يعرفه من تفاصيل الحياة اليومية؟

لهذا، لا تستهينوا بدمعة مسافر في المطار.

فقد تكون تلك الدمعة خلفها أمٌّ تركها، وأبٌ يخشى عليه، وأبناءٌ تركهم صغارًا، وبيتٌ يعرف أنه سيعود إليه يومًا، لكنه لا يعرف بأي قلب سيعود.

عاد أيلول، فعادت معه الحكاية نفسها: حقائب تُغلق، وأبواب تُفتح للوداع، وعيون تبللها الدموع، وقلوب تتعلق بوعد اللقاء القادم

لكن أيلول هذه المرة يذكّرنا بحقيقة قاسية: ليس كل من يسافر اختار الغربة، وليس كل من بقي اختار البقاء.

هناك من حملته الحاجة بعيدًا، ومن أخذته الوظيفة، ومن دفعته ظروف الحياة إلى أن يبيع أجمل سنوات عمره مقابل أن يؤمّن لأهله حياةً أفضل

فلا تلوموا المغتربين على الغياب، ربما كانوا أكثر الناس اشتياقًا إلى الوطن، وأكثرهم وجعًا لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حيث يريدون

عاد أيلول، وعادت البيوت إلى وحشتها، وبقيت قلوب الغائبين هناك، معلقةً بين وطنٍ لا يغادرونه مهما ابتعدوا، وأهلٍ يتمنون لو يستطيعون أن يختصروا المسافة إليهم بكلمة واحدة:

متى اللقاء؟

اللهم احفظ الغائبين، وردّهم إلى أهلهم سالمين، ولا تجعل الغربة تأخذ من أعمارهم أكثر مما أخذت..
م مدحت الخطيب

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions