د علي الطراونة يكتب: الأردن يرفع صوته: لا تتركوا المنطقة لتُرسم بالنار
نبأ الأردن -
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب آخر عن فلسطين وغزة والقدس. هذه المرة كان في الخطاب سؤال أكبر من الحرب نفسها:
من سيرسم شكل المنطقة بعد أن تنتهي الحروب؟
فالملك لم يتحدث عن غزة باعتبارها مأساة إنسانية فقط، ولا عن الضفة باعتبارها أرضاً محتلة فقط، ولا عن القدس باعتبارها قضية دينية وسياسية فقط. وضع كل ذلك في إطار واحد: مستقبل المنطقة وأمن دولها، وفي مقدمتها الأردن.
و الرسالة الأوضح في الخطاب أن العالم أمضى سنوات طويلة في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من حلّه.
لكن إدارة الصراع لم تُبقِ الأمور على حالها ، فالواقع تغير، والاستيطان توسع، والضفة أصبحت أكثر تعقيداً، والقدس أكثر حساسية، وغزة تحولت إلى جرح مفتوح.
وهنا يطرح الأردن سؤالاً يصعب تجاهله: إذا كان العالم ما زال يؤمن بحل الدولتين، فمن سيحمي هذا الحل من الوقائع التي تُفرض على الأرض؟ فالوقت، في هذه القضية تحديداً، ليس محايداً.
الأردن لا ينظر إلى ما يحدث في فلسطين بمعزل عن سوريا أو بقية الإقليم. وعندما تحدث الملك عن التوسع الإسرائيلي وعن التطورات في جنوب سوريا، ثم أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن الوطني، كان يرسم بوضوح حدود المصلحة الأردنية.
و هذه ليست لغة حرب ، لكنها أيضاً ليست لغة مراقب يقف على مسافة من الأحداث. ، إنها لغة دولة تقول:
نحن مع الدبلوماسية والسلام، لكن أمننا ليس موضوعاً قابلاً للتفاوض.
وهذه ربما أهم رسالة في الخطاب بالنسبة إلى الداخل الأردني والخارج معاً.
أما القدس، فتبقى في الخطاب الأردني قضية تتجاوز الرمزية. ، هي فلسطين ، وهي المقدسات ، وهي الوصاية الهاشمية، وهي أيضاً إحدى أكثر نقاط الاشتعال حساسية في المنطقة.
ولهذا فإن تغيير الواقع فيها لا يُنظر إليه في عمّان باعتباره تطوراً محلياً ،. إنما التغيير في قواعدها قد يفتح أبواباً لصراع أكبر.
وماذا يريد الأردن من العالم؟
الأردن يريد من المجتمع الدولي أن ينتقل من إدانة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن إدارة الأزمات إلى منع إنتاج أزمات جديدة.
فالقانون الدولي، إذا كان قاعدة، يجب أن يكون قابلاً للتطبيق، لا مجرد لغة في البيانات.
والسلام، إذا كان هدفاً حقيقياً، يحتاج إلى حماية شروطه على الأرض.
اما الرسالة الأخيرة في الخطاب
ان جلالة الملك لم يعلن مواجهة، ولم يغلق باب الدبلوماسية. بل على العكس، أبقى باب الحوار مفتوحاً، وأكد تمسك الأردن بالسلام والعمل الدولي.
لكن الخطاب حمل في الوقت نفسه رسالة لا تخطئها العين: ان الأردن لن ينتظر حتى تتحول التحذيرات إلى وقائع مفروضة.
فما يحدث في فلسطين والقدس وسوريا ليس بعيداً عن الأردن. والمنطقة التي ستخرج من هذه الحروب قد لا تشبه المنطقة التي دخلتها.
لذلك كان خطاب الملك، في جوهره، نداءً للمجتمع الدولي قبل أن يفوت الأوان:
لا تتركوا الشرق الأوسط يُرسم بالنار، ثم تبحثوا لاحقاً عن خريطة للسلام.
تحياتي
د علي الطراونة
























