النائب أروى الحجايا تكتب : حين نُسمّي الأمور بمسمّياتها
نبأ الأردن -
استوقفتني في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة عبارةٌ قصيرة في لفظها، عميقة في معناها، واسعة في مداها:
«المساءلة تبدأ عندما نسمي الأمور بمسمياتها».
ليست هذه عبارةً عادية في خطاب سياسي؛ بل هي قاعدةٌ من قواعد بناء الدول، ومفتاحٌ لفهم الأزمات، وطريقٌ لا بد أن تسلكه المجتمعات إذا أرادت أن تنتقل من تشخيص المشكلات إلى معالجتها.
فالأوطان لا تُصلحها المجاملات، ولا تنقذها اللغة الرمادية، ولا تُدار أزماتها بتبديل أسماء الأشياء.
فالخطأ خطأ، والخلل خلل، والتقصير تقصير، والإنجاز إنجاز، والحق حق، والباطل باطل؛ وحين تختلط المسميات تضيع المسؤوليات، وحين تضيع المسؤوليات تتكرر الأخطاء.
وهذه القاعدة لا ينبغي أن تبقى في فضاء السياسة الدولية وحده؛ بل إن ترجمتها الوطنية تبدأ من الداخل.
علينا أن نسمي البيروقراطية بيروقراطية حين تتحول الإجراءات إلى عائق أمام المواطن، وأن نسمي الترهل ترهلاً حين يصبح المنصب غاية لا وسيلة، وأن نسمي الواسطة واسطة حين تتقدم القرابة أو المعرفة على الكفاءة والاستحقاق، وأن نسمي الفساد فساداً حين يُعتدى على المال العام أو تُستغل السلطة لتحقيق منفعة خاصة، وأن نسمي التقصير تقصيراً حين تُهدر الفرص أو تتعطل المشاريع أو لا تُؤدى المسؤولية كما ينبغي.
لكن تسمية الأشياء بمسمياتها لا تعني التشهير بالناس، ولا إطلاق الأحكام بلا بينة، ولا تحويل المساءلة إلى خصومة؛ بل تعني أن يكون الدليل قبل الاتهام، والقانون فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق الفرد، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية.
وإذا أردنا أن نأخذ العبارة الملكية إلى مداها الأوسع، فعلينا أن نسأل أنفسنا:
هل نسمي مشكلة البطالة بطالة؟
هل نسمي ضعف بعض الخدمات ضعفاً؟
هل نسمي هدر الموارد هدراً؟
هل نسمي الخلل الإداري خللاً؟
وهل نسمي نجاح المسؤول نجاحاً، بصرف النظر عن اسمه وموقعه وعلاقاته؟
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تقول إن كل شيء بخير؛ بل الدولة التي تمتلك شجاعة النظر إلى ما ليس بخير، وتسميه باسمه، ثم تضع له العلاج.
وفي السياسة الخارجية أيضاً، تصبح العبارة أكثر وضوحاً: لا سلام حقيقياً مع إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، ولا عدالة مع ازدواجية المعايير، ولا استقرار مع تجاهل جذور الأزمات، ولا حل للقضية الفلسطينية من دون الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. وهذه من القضايا التي ظل الأردن، بقيادة جلالة الملك، يطرحها في المحافل الدولية بوضوح سياسي ودبلوماسي.
وهنا تتجلى قيمة الخطاب الأردني: أن يقول للعالم إن الكلمات لا ينبغي أن تُستخدم لطمس الحقائق؛ فحين يكون الاحتلال احتلالاً يجب أن يُسمى احتلالاً، وحين يكون التهجير تهجيراً فلا ينبغي أن يُعاد تسويقه بمسميات أخرى، وحين تُنتهك القوانين الدولية فلا ينبغي أن تتحول اللغة الدبلوماسية إلى ستار يحجب المسؤولية.
أما في الداخل الأردني،
فالمساءلة الحقيقية ليست بحثاً عن ضحية، ولا حملة على مسؤول، ولا مناسبة لتصفية الحسابات؛ إنها ثقافة دولة.
ثقافة تقول للمسؤول: أنت مؤتمن على موقعك، وستُسأل عن قرارك.
وتقول للموظف: الوظيفة مسؤولية وليست امتيازاً.
وتقول للمواطن: لك حقوق، وعليك واجبات.
وتقول للمؤسسة: نجاحك يقاس بما تقدمه للناس، لا بما تكتبه في تقاريرها.
وتقول لصاحب القرار: لا يكفي أن تكون النية حسنة، بل يجب أن تكون النتيجة بحجم المسؤولية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الدول ليس وجود الأخطاء، فالكمال ليس من طبيعة البشر، وإنما أن يصبح الخطأ مألوفاً، وأن يصبح الفشل قابلاً للتبرير، وأن يصبح الصمت فضيلة، وأن تتحول المساءلة إلى تهمة لمن يسأل.
من هنا، فإن عبارة جلالة الملك يمكن أن تتحول إلى منهج وطني:
سمِّ المشكلة باسمها، وحدد المسؤولية، واجمع الدليل، وطبّق القانون، ثم أصلح الخلل.
لا نريد دولةً تبحث عن أخطاء الناس لتدينهم، بل دولةً تبحث عن الخلل لتصلحه.
ولا نريد مجتمعاً يتفنن في الاتهام، بل مجتمعاً يتعلم المساءلة.
ولا نريد مسؤولاً يخشى السؤال، بل مسؤولاً يعرف أن السؤال جزء من أمانة الموقع.
لقد علمتنا الدولة الأردنية، عبر تاريخها، أن قوتها ليست في غياب التحديات، وإنما في قدرتها على مواجهتها. واليوم، وفي عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتختلط فيه الحقائق بالدعاية، يصبح وضوح التسمية نوعاً من أنواع القوة الوطنية.
فإذا أردنا الإصلاح، فلنبدأ من الكلمة.
وإذا أردنا المساءلة، فلنبدأ من الحقيقة.
وإذا أردنا دولةً أكثر قوة وعدلاً وكفاءة، فلنمتلك الشجاعة التي تقول:
هذه مشكلة، واسمها كذا.
وهذا خلل، وسببه كذا.
وهذه مسؤولية، وصاحبها مسؤول.
وهذا إنجاز، وصاحبه يستحق التقدير.
فالمساءلة لا تبدأ في قاعة المحكمة، ولا عند صدور القرار، ولا عند وقوع العقوبة...
المساءلة تبدأ قبل ذلك كله؛
تبدأ لحظة نمتلك شجاعة أن نسمي الأمور بمسمياتها.
























