عبدالله بني عيسى يكتب :ثلاث تقابلات في خطابي الملك وترامب
نبأ الأردن -
بالمناسبة.. ثلاث مرات بدا فيها الملك اليوم وكأنه يضع خطاباً مقابل خطاب ترامب
الأولى: غزة و«الإنجاز» الذي لم ينهِ القضية.
ترامب تحدث أمام الجمعية العامة عن إنجازاته، وعن خطة غزة والسلام التي قدمها باعتبارها اختراقًا مهمًا، واحتفى بدور إدارته في الدفع باتجاه إنهاء الحرب وإطلاق مسار للسلام. وقد أشار في خطابه إلى اعتماد مجلس الأمن لخطة السلام في غزة وإنشاء «مجلس السلام».
أما الملك، فأعاد وضع القضية في مكان آخر تمامًا:
«لطالما وقفت أمام هذه الجمعية العامة وحذرت من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدلًا من التصدي لحله».
وهذه ليست عبارة عابرة. فالملك يقول، عملياً، إن وقف الحرب أو احتواء الصراع لا يعادل حل القضية. وأن الاتفاقيات المرحلية والترتيبات المؤقتة لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن معالجة أصل المشكلة.
أي أن ما قد يُقدَّم سياسياً بوصفه إنجازاً دبلوماسياً، لا يصبح حلا ًحقيقياً في المنظور الأردني ما لم يفضِ في النهاية إلى معالجة أصل الصراع وحقوق الفلسطينيين.
الثانية: الذكاء الاصطناعي والانبهار بالتكنولوجيا في مقابل «الانتباه» بوصفه مورداً إنسانياً.
ترامب تحدث عن الذكاء الاصطناعي بلغة شديدة التفاؤل، وذهب إلى استخدام تعبير «الذكاء الفائق» Super Intelligence، مع التقليل من المخاوف المتعلقة بمخاطره، وتأكيد أن الولايات المتحدة يجب أن تقود هذه التكنولوجيا.
ثم جاء الملك ليأخذ النقاش إلى منطقة مختلفة تمامًا. قال: «نحن نعيش لحظة استثنائية في التاريخ إذ لم يشهد العالم من قبل هذا الحجم الهائل من المعرفة وهذه الوتيرة المتسارعة من التغيير».
ثم أضاف: «تراجع متوسط مدة انتباه الفرد أثناء مشاهدة الشاشة يعكس حقيقة أن انتباهنا أصبح مورداً نادراً». وهنا تكمن المفارقة الجميلة في الخطابين. فترامب يتحدث عن ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، والملك يلفت النظر إلى ما تفعله التكنولوجيا بنا.
ترامب يتحدث عن الذكاء الذي يمكن أن نصنعه، والملك عن الانتباه الإنساني الذي بدأنا نفقده.
الثالثة: المسيحية بين «التهديد» و«الحماية في موطنها التاريخي.
ترامب تحدث في خطابه عن المخاطر التي تواجه المسيحيين في العالم، ووضع قضية حماية المسيحية ضمن القضايا التي تستحق اهتمام المجتمع الدولي.
أما الملك، فجاء من الجهة الأخرى تماماً: الأردن، بوصفه بلداً عربياً مسلماً، يقدم نموذجاً للمسيحية باعتبارها جزءاً أصيلًا من تاريخ المنطقة، لا جماعة غريبة عنها تحتاج إلى استقدام حماية خارجية.
أي أن الأردن لا يقول إن المسيحيين بحاجة إلى أن يأتي أحد من الخارج ليحميهم، وإنما يقول إن المسيحية جزء من هوية المشرق وتاريخه وتراثه، وإن حماية التنوع الديني والتعايش ليست منّة من أحد.

























