عاطف أبوحجر يكتب: صفحات وطن
نبأ الأردن -
ليس كل جواز سفر يعبر الحدود وحده؛ بعض الجوازات تحمل وطنًا كاملًا بين صفحاتها.
وهكذا يبدو الجواز الأردني الجديد: وثيقة للسفر، وذاكرة وطن تسافر معك إلى العالم.
وفي العادة، لا يلتفت أحد إلى جواز سفره إلا عند بوابة المطار؛ يخرجه من حقيبته، يسلّمه لموظف الحدود، ثم يعيده إلى مكانه حتى موعد السفر التالي.
لكن الجواز الأردني الإلكتروني الجديد يبدو أنه قرر كسر هذه القاعدة.
فهو لم يعد مجرد وثيقة تثبت هوية حاملها وتتيح له عبور الحدود، بل أصبح مساحة صغيرة تختصر شيئًا من صورة الأردن وتاريخه ومعالمه، وتجمع بين الهوية الوطنية والتقنية الحديثة ومتطلبات الأمان.
وهنا تحديدًا، تبدو الفكرة جديرة بالتوقف.
فالتحديث الذي تشهده منظومة الأحوال المدنية والجوازات لا يتعلق بالشكل وحده، بل يعكس توجهًا نحو تطوير الوثائق والخدمات الحكومية بما يواكب التطور التقني، مع الحفاظ على التفاصيل التي تمنح الوثيقة شخصيتها الوطنية.
«الأردن بين يديك» ليست مجرد عبارة مناسبة للترويج للجواز الجديد؛ فعند تصفح صفحاته، تكتشف أن العبارة تحمل شيئًا من الحقيقة.
عمّان، والبترا، ووادي رم، والعقبة، إلى جانب رموز وتفاصيل مستوحاة من البيئة والهوية الأردنية، تظهر في تصميم يجعل الجواز أقرب إلى كتاب مصغر عن الوطن.
وهنا تبدأ المفارقة الجميلة:
اعتدنا أن يكون الجواز وثيقة تأخذنا إلى الخارج، أما هذه المرة، فقد أصبح يأخذ شيئًا من الأردن إلى الخارج أيضًا.
فكل صفحة تحمل تفصيلًا بصريًا يذكّر بمكان، أو حكاية، أو ملمح من ذاكرة البلاد.
وكأن الجواز يقول لحامله ولمن يراه:
هذه ليست مجرد جنسية مكتوبة في صفحة البيانات… هذه هوية وطن.
واللافت أن حضور الهوية الوطنية لم يأتِ على حساب الجانب التقني؛ فالجواز الإلكتروني يجمع بين التصميم الوطني والتقنيات الحديثة المرتبطة بوثائق السفر والأمان والتحقق من الهوية.
وهذا التوازن يمنح المشروع قيمته: أن تتقدم الوثيقة إلى المستقبل من دون أن تترك تاريخها خلفها.
ولعل أجمل ما في الأمر أن المواطن الأردني بات يحمل في حقيبته، إلى جانب وثيقة السفر، تعريفًا بصريًا مختصرًا ببلده.
فإذا سألك أحد في الخارج:
«من أين أنت؟»
قد لا تحتاج إلى شرح طويل.
يكفي أن تفتح الجواز…
ثم تقول بثقة:
من الأردن.
وبهذه المناسبة، يستحق الجهد المبذول من الحكومة الأردنية ودائرة الأحوال المدنية والجوازات في تطوير الوثائق الرسمية وتحديثها، الإشادة والتقدير؛ فمثل هذه التفاصيل تصنع صورة عن الدولة، وتجمع في وثيقة واحدة بين الخدمة والأمان والتقنية والهوية.
في النهاية، يبقى الجواز جواز سفر، ومهمته الأولى أن يسافر بصاحبه.
لكن الجميل هذه المرة أنه، أينما سافر، يحمل معه شيئًا من الوطن.
الأردن بين يديك… وربما للمرة الأولى، أصبح الوطن أيضًا بين صفحات جوازك.

























