اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د أمجد الفاهوم يكتب : 47 ثانية… من قصر الانتباه الدولي إلى يقظة الدولة

د أمجد الفاهوم يكتب :  47 ثانية… من قصر الانتباه الدولي إلى يقظة الدولة
نبأ الأردن -
بدأ جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من رقم يبدو بعيدًا عن السياسة: تراجع متوسط مدة انتباه الإنسان أمام الشاشة من دقيقتين ونصف قبل نحو عقدين إلى 47 ثانية اليوم. لكن هذا المدخل حمل سؤالًا سياسيًا واستراتيجيًا أكبر: ماذا يحدث عندما ينتقل قصر الانتباه من الإنسان إلى الدول والمؤسسات والنظام الدولي؟

من هنا يمكن قراءة الخطاب في مستويين متوازيين: عالم تتزاحم أمامه الأزمات حتى ينتقل اهتمامه سريعًا من واحدة إلى أخرى، وأردن يدرك بحكم موقعه الجغرافي أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بهذا الترف، لأن ما يتجاهله العالم قد يتحول بالنسبة إليه إلى تهديد مباشر لأمنه واستقراره ومستقبله.

دوليًا، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات. العالم يرى الحروب والتهجير والاستيطان والأزمات الإنسانية لحظة بلحظة، لكنه كثيرًا ما ينتقل إلى الحدث التالي قبل معالجة جذور الحدث السابق. وهنا يتحول قصر الانتباه إلى مشكلة سياسية؛ فما يخرج من دائرة الأخبار لا يخرج من الجغرافيا، وما يؤجل حله يستمر في إنتاج وقائع جديدة. ولهذا جاءت عبارة الملك شديدة الدلالة: "فما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا.”

والقضية الفلسطينية تقدم المثال الأكثر وضوحًا. فعلى مدى عقود، تراكم الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي وتغيير الوقائع، بينما بقي الحل السياسي مؤجلًا، حتى وصل المشهد إلى ما وصفه الملك بقوله: "حتى أصبح المؤقت دائمًا، وأصبح الدائم نهجًا.” لذلك لا يمكن قراءة غزة بمعزل عما يجري في الضفة الغربية، لأن السؤال الاستراتيجي يتجاوز الحرب الراهنة إلى مستقبل إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

أردنيًا، لا تقع هذه التطورات في مساحة السياسة الخارجية وحدها. ففلسطين متصلة بأمن المملكة واستقرارها وموقعها الجيوسياسي، ولذلك يرتبط رفض التهجير بحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وإقامة دولتهم، وبحماية الأردن في الوقت نفسه من تداعيات أي تغيير قسري في الخريطة السكانية والسياسية للمنطقة.

ويتكرر الترابط بين الدولي والوطني في سوريا. فاستقرار سوريا قضية إقليمية ودولية، لكنه بالنسبة للأردن يرتبط مباشرة بالحدود الشمالية والأمن المائي وتهريب المخدرات والأسلحة. ولذلك حمل وضع المياه إلى جانب الحدود ضمن مفهوم الأمن القومي رسالة واضحة بأن أمن الدول اليوم لم يعد عسكريًا فقط، بل يشمل الموارد التي تقوم عليها حياة المجتمع واستمرار الدولة.

ومن هنا تتضح معادلة السياسة الأردنية في الخطاب: الدبلوماسية والسلام خياران استراتيجيان، لكنهما لا يعنيان التهاون عندما يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية. فالأردن يسعى إلى الاستقرار والحوار ويحافظ على شبكة واسعة من الشراكات، وفي الوقت نفسه يحدد بوضوح ما يتصل بأمنه وحدوده ومياهه واستقراره.

وعلى المستوى الدولي، يفتح الخطاب سؤالًا أوسع حول فاعلية النظام القائم. فالقوانين والمواثيق والقرارات موجودة، لكن قوتها الحقيقية تأتي من تطبيقها. وعندما تختلف القدرة على تنفيذ القواعد من أزمة إلى أخرى، تتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، وتتقدم موازين القوة على حساب القانون، وهو ما يجعل العالم أكثر اضطرابًا وأقل قدرة على منع الأزمات قبل انفجارها.

وفي المقابل، يقدم الخطاب رؤية أردنية لكيفية التعامل مع عالم كهذا. فالأردن لا يستطيع انتظار انتهاء أزمات المنطقة حتى يبدأ ببناء مستقبله، ولذلك يمضي في مسارين متوازيين: إدارة المخاطر الآنية، وبناء مصادر القوة الوطنية طويلة المدى. فالاقتصاد والمياه والغذاء والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والقدرات الدفاعية أصبحت أجزاء مترابطة من مفهوم الأمن الوطني.

وعربيًا، تفرض هذه البيئة بناء مساحات أوسع للعمل المشترك في الأمن والمياه والطاقة والغذاء والاقتصاد والتكنولوجيا. فالتحديات التي تواجه المنطقة أصبحت عابرة للحدود، والاستجابة لها تحتاج إلى مصالح ومشروعات مشتركة تمنح الدول العربية قدرة أكبر على التعامل مع التحولات الدولية.

وهكذا يعود الخطاب إلى الرقم الذي بدأ منه. فالـ47 ثانية لم تكن مجرد رقم عن سلوك الإنسان أمام الشاشة، بل إنذارًا سياسيًا من عالم يرى الأزمات ثم ينصرف عنها قبل أن يواجه جذورها. وبين عالم قد يقصر انتباهه ودولة لا تملك ترف الغفلة، تتحدد المسؤولية الأردنية في أن تقرأ التحولات مبكرًا، وتحمي مصالحها بثبات، وتبني عناصر قوتها بثقة.

فالسياسة لا تحاسب الدول على ما رأته فقط، بل على ما فعلته بما رأت. وما قد يتجاهله العالم اليوم، على الأردن أن يستعد له من الآن؛ لأن المستقبل يحميه من يقرأ إشاراته مبكرًا ويملك القدرة على صناعة موقعه فيه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions