اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاهد حسين الصفدي يكتب: أفلام الكرتون ودورها في تشكيل شخصية الطفل

عاهد حسين الصفدي يكتب: أفلام الكرتون ودورها في تشكيل شخصية الطفل
نبأ الأردن -
في كل مساء من أمسيات الطفولة البريئة الجميلة، وبعد الانتهاء من اللعب في الحارة والركض فيها، خلف سياراتنا وألعابنا التي صنعناها بأيدينا، واللحاق ببعضنا البعض في زواريب ساحات حارتنا. ندخل بيوتنا ونغتسل ونرتدي ثياب النوم ونجلس؛ أمام جهاز التلفاز (أبو الكبسات) وشاشته غير الملونة، [أبيض وأسود] فقط. ننتظر ابتداء فترة برامج الأطفال التي كنا ننهي لُعْبَنَا مسرعين لكي نستعد لمشاهدتها بترقب شديد، ونجلس صامتين مصغين بشكل جيد؛ وننزعج عند أي طلب، يطلبه منا أهلنا؛ أحدهم يريد أن يشرب كوباً من الماء، أو إحضار ملعقة أو شيء ما من المطبخ، حتى لا تفوتنا لقطة واحدة من برامجنا المفضلة، الممتعة جدا لنا، فهي كانت بسيطة ومحصورة في ألوان شاشة جهاز التلفاز القديم، ولكنها مُسَلِّيةً، مُفرحةً ومضحكةً، تملؤ قلوبنا بالبهجة والسعادة والسرور. نمضي كل الوقت ونحن مرحين نضحك ونضحك... ولا نشعر بأي نوع من التوتر والقلق، بل كل ما يَتَمَلَّكُنَا هو الشعور بالراحة والاطمئنان والسعادة.
كانت برامج الأطفال تحكي قصصاً، فيها البراءة التي هي موجودة فينا وتخاطب الطفولة داخل نفوسنا، لتقول لنا: أنتم أطفال لا دخل لكم بهموم الدنيا ومشاكلها ومشاغلها. عيشوا حياتكم كما هي ببراءة وسعادة وفرح؛ ولا تشغلوا بالكم وعقولكم بأية أشياء أخرى. هذه البرامج تسرد حكايا أطفال فيها مَعَانٍ جميلة لحياتهم، نتعلم منها كيف نخاطب بعضنا البعض باحترام متبادل، والتعاون المشترك بحبٍ؛ وكيف نلعب معاً بنفوس خالية من الأنانية والحقد، صافية نقية يغلب عليها اللون الأبيض فقط.
فترة برامج الأطفال تلك كانت أيضا تخلو من الانفعالات العنيفة، ولا تحتوي المؤثرات التشنجية التي تؤدي الى التوتر والشعور بالخوف والرعب، كما يحدث مع أطفالنا في معظم (أفلام كرتون)، هذه الأيام المليئة بمشاهد العنف والقتل والتدمير، من غزاة يهاجمون كرتنا الأرضية بهدف الاستيلاء عليها والقضاء على ساكنيها من البشر الضعفاء، أمام أسلحتهم المتطورة والمدمرة. أو تَعَّدِي القَوِّيُ على الضعيف والشر على الخير، ليستولي على ممتلكاته والاحتفاظ بها لنفسه.
بعد انتهاء فترة برامج الأطفال ننهض من أمام شاشة التلفاز، وعلامات الفرح والسعادة تغمر وجوهنا مرحين سعيدين ونضحك ونركض واحدنا تلو الآخر، لِنُقَّبَلَ وجوه والدينا ونقول لهم تصبحون على خير نحن ذاهبون إلى النوم، نضع رؤوسنا على وسائدنا ونحن نبتسم ونتحدث عن ما شاهدناه في فترتنا الجميلة، ونتبادل الآراء المتعددة ويحكي كل واحد فينا ما أعجبه، فيما شاهده وسمعه من كلام وعبارات جميلة خاطبت طفولته البريئة. وأثناء الحديث يَغُّطُ كل منا في نومه العميق، وهو مرتاح ليعيش أحلامه الجميلة وينهض في الصباح الباكر، نشيطاً سعيداً ليذهب مسرعاً إلى مدرسته التي يحبها، كي يحكي لأصدقائه شعوره الممتع وأحلامه السعيدة.
هذه الأيام؛ بماذا يشعر أطفالنا نتيجة مشاهدتهم، لأفلام الكرتون في فترة برامج الأطفال، المليئة بمشاهد العنف والقتل والحقد؟ ألا تلاحظون وجوههم الخائفة المرعوبة ومشاعرهم الحزينة على خسارة أرضهم وممتالكاتهم، ومن سيطرة قوى الشر والظلام على حياتهم، وفقدانهم لبراءة الطفولة. راقبوهم عندما يذهبوا إلى النوم، أنظروا في تعابير وجوههم وانفعالاتها وهم نائمون. لا تشاهدون سوى أطفالاً، لا يشعرون بالأمان لا يحلمون إلا بكوابيس، فيها مناظر ومشاهد العنف والقتل والدمار. ألا يؤدي كل ذلك إلى خلق جيل محطم مقهورعدواني، وهو يشاهد ألوان الدنيا الكثيرة، التي من المفروض، أن تكون سببا لسعادتهم وفرحهم، والتي كنا نفتقدها في شاشة جهازنا (أبو اللونين فقط)، هذه الألوان كنا نرسمها نحن في مخيلتنا كما نريد، من دون أي تأثير من أحد. كل واحد فينا يرسم لوحته الطفولية كما يحب أن يشاهدها هو، وبالألوان التي يريدها، لا كما يشاهدها ويصممها يألوانها؛ منتجوا أفلام كرتون هذه الأيام.
حُزني كبير وعميق على فراق أيام زمان، وعلى أطفالنا الذين لا يمتلكون المقدرة على رؤية الدنيا بألوانها، كما يرغبون هم؛ ولا يستطيعون العيش أثناء نومهم في احلام سعيدة، نابعة من عقل باطن لطفل يفيض بذكريات جميلة وحلوة، بل يُعانون من التخبط في أحاسيسهم ومشاعرهم العنيفة المجبولة من مشاهد الحياة القاسية الخالية من البراءة، وينهضون في الصباح وهم منزعجون مما تحمله ذاكرتهم، وكل ذلك سيؤدي إلى سوء سلوكهم المُتَّصِفُ بالعدوانية، تجاه بعضهم البعض، التي يكتسبونها عبر معظم أفلام كرتون هذه الأيام، التي تخلو في معظمها من أي قيمة إنسانية.


مقالة من كتابي "دقات على الباب العتيق"
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions