اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: حين صعدت الأقمار إلى السماء وبقينا نَعُدُّ الخراف

د. وليد العريض يكتب: حين صعدت الأقمار إلى السماء وبقينا نَعُدُّ الخراف
نبأ الأردن -
حكاية حضارتين بين منصة إطلاق وصحن وليمة

... 
ثمة أخبار لا تحتاج إلى محلل يشرحها ولا إلى فيلسوف يضع نظارته على طرف أنفه كي يستخرج ما وراءها لأنها تأتي محملة بمعناها وتضع المرآة أمامنا بلا رتوش ولا مجاملات، ومن هذه الأخبار خبران التقيا مصادفة على شاشة هاتف وافترقا حضاريًا بمسافة تكاد تساوي المسافة بين الأرض والسماء، خبر وليمة عرس في جنوب العراق قيل إن صاحبها ذبح فيها ألفًا وأربعمائة رأس من الغنم ومئتي بعير وخبر صاروخ صيني انطلق حاملًا تسعة أقمار صناعية إلى الفضاء.
وقفت أمام الخبرين لا أعرف أأضحك من المفارقة أم أحزن على المعنى المختبئ خلفها وكأن التاريخ قرر أن يكتب بنفسه مقالة ساخرة ويوفر علينا مشقة الكتابة، فهناك من يرفع رأسه نحو السماء ليسأل عن أسرار الكون وهنا من يخفض رأسه نحو المائدة ليتأكد أن اللحم قد غطى الأرز وأن الضيوف سيغادرون وهم يروون للأحفاد أسطورة الوليمة، هناك تسعة أقمار تحملها مركبة إلى مداراتها وهنا ألف وستمائة رأس حملتها المناسبة إلى بطون المدعوين ودفاتر المفاخرة الاجتماعية.
الصيني حين أراد أن يقول للعالم أنا هنا أشعل محركات صاروخه وفتح نافذة في السماء أما نحن فحين يريد بعضنا أن يقول للجيران أنا هنا فإنه يفتح أبواب الحظيرة ويستدعي الطباخين، هناك علماء يحسبون السرعة والمسار وزاوية الانطلاق ووزن الحمولة وهنا رجال يحسبون الذبائح وأكياس الأرز وعدد الصحون وعدد الذين أكلوا والذين سيأتون، وكل فريق مشغول بمستقبله غير أن مستقبل الأول يدور حول الأرض ومستقبل الثاني يدور حول قدر لا يجوز أن ينقص منه اللحم.
ولست أدري ماذا سيحدث لو جلس مهندس فضاء صيني إلى جوار مدير تلك الوليمة وسأله عن طبيعة المشروع الذي احتاج إلى هذه الجيوش من الخراف والجمال فقد يجيبه الرجل بثقة قائد مركبة فضائية بأن المهمة نجحت وأن الضيوف عادوا راضين، وحين يسأله عن مركز القيادة سيشير إلى المطبخ وحين يستفسر عن الوقود سيذكر الأرز والسمن وعن غرفة العمليات سيشير إلى الطباخ الكبير، أما لحظة الإطلاق فهي عندما ترتفع أغطية القدور ويبدأ الهجوم الأرضي الشامل على الصحون.
ولا اعتراض على الكرم ولا على موائد الأفراح فالكرم قيمة عربية نبيلة حملها الناس قبل أن تظهر الكاميرات وكانت مائدة الضيف عنوان مروءة حين كان الجائع يأكل بصمت والمضيف يعطي بصمت، لكن المشكلة تبدأ عندما يغادر الكرم معناه الإنساني ليدخل حلبة الاستعراض وتصبح الذبيحة شهادة مكانة وعدد الصحون بيانًا رسميًا عن الهيبة الاجتماعية، عندها يتحول السؤال من كم إنسانًا أسعدنا إلى كم خروفًا ذبحنا ومن ماذا قدمنا للناس إلى ماذا سيقول الناس عنا.
والأكثر طرافة أن يصبح دخول موسوعة للأرقام القياسية غاية تستحق الاحتفال وكأننا وجدنا أخيرًا الممر السري إلى الخلود الحضاري بعد أن اختارت أمم أخرى منافسة الزمن في الطب والهندسة والفضاء والذكاء الاصطناعي، فليصنعوا الرقائق الإلكترونية وليبنوا المختبرات وليطلقوا الأقمار ونحن نتكفل بالدفاع عن أكبر قدر أرز وأطول مائدة وأكثر عدد من الذبائح، وكأن التاريخ سيجلس يومًا ليقرر أيهما أبقى أثرًا قمر دار حول الأرض أم خروف دار حوله الضيوف.
وتخيلوا لو أن جزءًا من المال والجهد والتنظيم الذي تحتاجه وليمة بهذا الحجم تحول إلى مختبر صغير أو منح جامعية أو مكتبة في قرية بعيدة فقد لا تتحدث عنه المجالس في الليلة نفسها لكنه قد يصنع بعد سنوات طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا، فالمال الذي يدخل المعدة ينتهي أثره بعد ساعات أما المال الذي يدخل العقل فقد يبقى أثره أجيالًا ويصنع مالًا ومعرفة ومستقبلًا، وبين الاستثمارين تقف فلسفة كاملة تحدد إن كنا نريد أن نورث أبناءنا حكاية وليمة أم مشروع حياة.
والمفارقة بالطبع ليست بين العراق والصين فالعراق الذي أعطى الإنسانية الكتابة والقانون والعلم والشعر أكبر من أن تختصره وليمة عابرة مهما بلغت ضخامتها وإنما المفارقة بين نمطين من التفكير قد يوجدان في كل مجتمع، نمط يسأل ماذا سنضيف إلى العالم ونمط يسأل ماذا سيقول الناس عنا ونمط يبني مجده بصمت داخل المختبر ونمط يحتاج إلى جمهور كامل، والأول ينفق ليصنع المستقبل بينما الثاني قد ينفق المستقبل كله ليصنع ليلة يتحدث عنها الناس.
ويا للمفارقة حين نملك قدرة خارقة على تنظيم وليمة تطعم الآلاف خلال ساعات ثم نشكو العجز عندما يتعلق الأمر بمكتبة أو مختبر أو منحة لطالب موهوب فتظهر فجأة فلسفة التقشف وضرورة الاقتصاد وترتيب الأولويات، أما إذا تعلق الأمر بمناسبة ستصورها الهواتف وتتناقلها المجالس فإن أبواب الحكمة تغلق وتفتح المخازن وتختفي الحسابات وتصبح المبالغة فضيلة اجتماعية، وكأن الإنفاق على المعرفة ترف والإنفاق على المظاهر مشروع قومي لا يحتمل التأجيل.
وفي آخر الليل انفض الضيوف وسكنت القدور وبقيت صور الوليمة بينما ظلت الأقمار التسعة تدور في مداراتها تجمع المعلومات وتؤدي مهماتها وتضيف شيئًا جديدًا إلى معرفة الإنسان، هناك استمر المشروع بعد انتهاء لحظة الإطلاق وهنا انتهى المشروع مع آخر صحن وهنا تكمن الحكاية كلها، فالأمم لا تقاس بما تذبحه في أعراسها بل بما تصنعه في مختبراتها ولا بما تضعه فوق موائدها بل بما تضعه في عقول أبنائها وعندما ندرك ذلك سنرفع رؤوسنا من الصحون لنكتشف أن السماء كانت مفتوحة طوال الوقت وأن الوصول إليها لا يحتاج إلى ألف وأربعمائة خروف ومئتي بعير بل إلى عقل قرر أن ينظر إلى أعلى.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions