نمر السليحات.. من إدارة «مالية النواب» إلى سباق رئاسة المجلس.. خبرة في الأرقام والرقابة والانضباط
نبأ الأردن -
يدخل النائب الدكتور نمر السليحات العبادي سباق رئاسة مجلس النواب، حاملاً معه تجربة برلمانية تراكمية امتدت عبر مجلسي النواب التاسع عشر والعشرين، وحضوراً لافتاً في اللجان النيابية، كان أبرز محطاته ترؤسه للجنة المالية، وهي واحدة من أكثر اللجان حساسية وثقلاً في العمل النيابي، بحكم اتصالها المباشر بالموازنة العامة والإنفاق الحكومي والرقابة على المال العام وتقرير ديوان المحاسبة.
وترشح السليحات، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية مؤخراً، لرئاسة مجلس النواب، في خطوة تضع تجربته في اللجنة المالية أمام اختبار جديد، ليس على مستوى إدارة ملف مالي وتشريعي واسع فحسب، وإنما على مستوى إدارة مؤسسة دستورية تتطلب قدرة على ضبط إيقاع الجلسات، وتحقيق التوازن بين مختلف الآراء والكتل، وحماية النظام الداخلي، وإدارة النقاش النيابي ضمن أطره الدستورية والقانونية.
من «مالية النواب» إلى منصة الرئاسة
ولعل أبرز ما يميز تجربة السليحات أن اللجنة التي ترأسها ليست لجنة تخصصية محدودة التأثير، بل اللجنة المعنية بدراسة مشروع قانون الموازنة العامة، ومتابعة التطورات المالية والاقتصادية، ومراجعة تقارير ديوان المحاسبة والحسابات الختامية، وهي مهام تجعل رئيسها في تماس مباشر مع مختلف مفاصل الدولة المالية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، أظهرت أعمال اللجنة برئاسة السليحات قدرة على إدارة ملفات شديدة التعقيد، حيث عقدت اللجنة 104 اجتماعات خلال فترة دراسة موازنة عام 2026، قبل أن تقدم نتائج تحليلية لأعضاء المجلس حول الموازنة والقطاعات الاقتصادية والقرارات المؤثرة فيها.
هذه التجربة تمنح السليحات، في سباق رئاسة المجلس، رصيداً يتجاوز مجرد الحضور النيابي؛ إذ إن إدارة لجنة بهذا الحجم تتطلب تنظيم الاجتماعات، توزيع الملفات، الاستماع إلى الحكومة والجهات المختصة، إدارة النقاش بين أعضاء اللجنة، ثم الوصول إلى مخرجات قابلة للعرض على مجلس النواب.
ديوان المحاسبة.. اختبار الرقابة والمساءلة
ومن الملفات التي برز فيها السليحات بشكل واضح ملف ديوان المحاسبة، حيث تعامل معه باعتباره إحدى أهم أدوات الرقابة البرلمانية على المال العام، مؤكداً في أكثر من مناسبة أهمية مخرجاته في دعم المساءلة وتصويب الأداء الحكومي.
وفي مناقشة موازنة ديوان المحاسبة لعام 2026، شدد السليحات على أهمية الدور الرقابي للديوان في تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، وربط تقاريره بقدرة مجلس النواب والحكومة على اتخاذ الإجراءات التصحيحية وتفعيل أدوات المساءلة وحماية المال العام. كما طالب بتفاصيل المخصصات المرصودة للديوان وتمكينه من توسيع نطاق عمله الرقابي.
وفي تجربة سابقة، كان موقفه أكثر وضوحاً في التعامل مع مخالفات تقرير ديوان المحاسبة، عندما أكد أنه لا تهاون مع أي مخالفة، مع متابعة ما يترتب على الملاحظات من إجراءات، سواء بالإحالة إلى القضاء أو هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أو التصويب والتحصيل.
وهنا تحديداً تبرز إحدى سمات تجربته البرلمانية: الرقابة لديه ليست مجرد تسجيل مواقف، وإنما متابعة للملاحظة حتى تصل إلى مرحلة القرار والتصويب.
إدارة الموازنة.. مدرسة في إدارة الملفات الثقيلة
وفي ملف الموازنة العامة، أدار السليحات اجتماعات اللجنة مع الفريق الاقتصادي الحكومي، بما في ذلك مناقشة موازنة 2026 مع وزراء المالية والاستثمار والطاقة والسياحة والتخطيط والاقتصاد الرقمي والصناعة والتجارة، وهي ملفات متشابكة تتطلب فهماً للأرقام بقدر ما تتطلب قدرة على إدارة الحوار السياسي والاقتصادي.
كما أن تجربة اللجنة المالية خلال مناقشة موازنة 2025 وموازنات سابقة تظهر أن السليحات لم يتعامل مع الموازنة باعتبارها مجرد جداول وأرقام، بل باعتبارها أداة للحكم على أولويات الدولة واتجاهات الإنفاق والقدرة على تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ترشحه لرئاسة مجلس النواب باعتباره انتقالاً من إدارة ملف مالي واسع إلى إدارة المشهد النيابي برمته؛ فالرجل الذي تعامل لسنوات مع أرقام الدولة ومؤسساتها الرقابية والحكومية، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية أوسع تتعلق بإدارة الحوار بين النواب والحكومة، وتنظيم عمل المجلس، وحماية هيبة المؤسسة التشريعية.
خبرة نيابية لا تبدأ من مجلس واحد
وتكشف السيرة البرلمانية الرسمية للسليحات عن مشاركته في مجلسي النواب التاسع عشر والعشرين، وعضويته في عدد من اللجان، مع حضور متكرر في اللجنة المالية خلال الدورات المختلفة، إضافة إلى مشاركته في لجان أخرى، وهو ما يعكس تجربة نيابية ممتدة وليست وليدة الدورة الحالية.
وفي المجلس التاسع عشر، ظهر اسمه ضمن كتل نيابية مختلفة، كما شارك في اللجنة المالية ولجان أخرى، وهو ما أتاح له الاحتكاك بملفات تشريعية ورقابية متنوعة، بعيداً عن حصر تجربته في الجانب المالي وحده.
الهدوء والانضباط.. عناصر في معادلة الرئاسة
وفي رئاسة مجلس النواب، لا تكفي المعرفة السياسية أو الخبرة التشريعية وحدهما؛ فالرئيس يحتاج إلى شخصية قادرة على إدارة الاختلاف، وضبط الجلسة، وتطبيق النظام الداخلي دون انتقائية، وإعطاء جميع النواب مساحة للتعبير، مع الحفاظ على هيبة المؤسسة التشريعية.
وهذه من النقاط التي يحاول السليحات تقديم نفسه من خلالها في السباق؛ فخبرته الطويلة في إدارة اجتماعات اللجنة المالية والتعامل مع ملفات الحكومة والرقابة والموازنة، جعلته أمام حالات متعددة من اختلاف وجهات النظر والنقاشات التفصيلية، وهي خبرة يمكن نقلها من مستوى اللجنة إلى مستوى المجلس.
كما أن طبيعة عمل اللجنة المالية نفسها تفرض على رئيسها قدراً عالياً من الدقة والانضباط؛ فكل رقم في الموازنة قد يقود إلى نقاش سياسي، وكل ملاحظة في تقرير ديوان المحاسبة قد تتحول إلى ملف رقابي، وكل توصية تحتاج إلى صياغة واضحة ومسار متابعة.
الرئاسة.. من إدارة اللجنة إلى إدارة المجلس
ويبدو أن جوهر المعركة الانتخابية المقبلة لا يتعلق فقط بمن سيجلس على مقعد رئيس مجلس النواب، وإنما بمن يمتلك القدرة على إدارة مجلس يتسم بتعدد الاتجاهات والكتل والآراء.
ومن هذه الزاوية، يقدم السليحات نفسه باعتباره نائباً راكم خبرته داخل واحدة من أهم غرف صناعة القرار البرلماني؛ اللجنة المالية، التي وضعته لسنوات أمام الموازنة العامة، والحسابات الختامية، وديوان المحاسبة، والإنفاق الحكومي، والملفات الاقتصادية.
فالانتقال من رئاسة اللجنة المالية إلى رئاسة مجلس النواب، في حال حظي بثقة زملائه، لن يكون انتقالاً من موقع إلى آخر بقدر ما سيكون انتقالاً من إدارة ملف من ملفات الدولة إلى إدارة مؤسسة تشريعية كاملة.
وإذا كانت اللجنة المالية قد اختبرت قدرة السليحات على قراءة الأرقام ومناقشة الحكومة ومساءلة المؤسسات ومتابعة المال العام، فإن رئاسة مجلس النواب ستختبر قدرته على توظيف هذه الخبرة في إدارة الاختلاف النيابي، وحماية النظام الداخلي، وتعزيز هيبة المجلس، وتحقيق التوازن بين دوره الرقابي والتشريعي وعلاقته بالحكومة.
وبهذا المعنى، فإن ترشح نمر السليحات لرئاسة مجلس النواب يضع أمام النواب خياراً يقوم على الخبرة المتراكمة، والانضباط المؤسسي، والقدرة على إدارة الملفات الثقيلة، والانتقال من قيادة لجنة محورية إلى قيادة مؤسسة دستورية بأكملها.

























