د.عطاالله الشرعة يكتب: برنامج تحديث القطاع العام… إصلاح للدولة أم صناعة لطبقة جديدة من المستفيدين؟
نبأ الأردن -
عندما أطلقت الدولة برنامج تحديث القطاع العام، كان الأردنيون ينتظرون ثورة إدارية حقيقية؛ حكومة أكثر كفاءة، مؤسسات أكثر سرعة، خدمات أفضل، وإنفاقًا أكثر حكمة.
لكن بعد سنوات من التنفيذ، يبرز سؤال لا يجوز أن يبقى بلا إجابة:
من الذي استفاد فعلًا من برنامج التحديث؟
هل استفاد المواطن؟
أم استفادت الشركات الاستشارية، ومكاتب التدريب، والجهات التي اعتادت الفوز بالعطاءات الحكومية؟
الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الاستراتيجيات والورش والعروض التقديمية، بل يُقاس بما تغير في حياة المواطن. أما إذا بقيت الخدمة الحكومية تراوح مكانها، بينما تتزايد العقود والدراسات والاستشارات، فإن من حق الأردنيين أن يعرفوا أين ذهبت أموالهم.
اليوم، لم يعد يكفي الحديث عن الإنجازات. المطلوب كشف حساب كامل.
كم بلغت قيمة العطاءات التي خرجت تحت عنوان "تحديث القطاع العام”؟
من هي الشركات التي حصلت عليها؟
كم شركة تكررت أسماؤها؟
هل كانت المنافسة مفتوحة وحقيقية؟
وهل خضعت جميع الإحالات لرقابة مستقلة تضمن تكافؤ الفرص ومنع تضارب المصالح؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد أشخاص، بل أسئلة يفرضها احترام المال العام.
فكل برنامج إصلاحي، مهما كانت نواياه، يفقد جزءًا من شرعيته عندما تغيب عنه الشفافية الكاملة في الإنفاق والتعاقدات.
إذا كانت جميع الإجراءات سليمة، فإن نشر التفاصيل لن يضر أحدًا، بل سيعزز الثقة بالدولة. أما إذا بقيت المعلومات محصورة في دوائر ضيقة، فإن الشكوك ستكبر، حتى وإن لم تكن في محلها.
إن الدولة الحديثة لا تكتفي بالقول إن العطاءات قانونية، بل تنشر تفاصيلها، وتبين أسباب اختيار الفائزين، وتعلن مؤشرات الأداء التي تثبت أن ما دُفع من المال العام عاد على المواطن بخدمة أفضل.
المواطن الأردني لا يريد أن يرى طبقة جديدة تعيش على المشاريع الحكومية، وتتنقل من عقد إلى آخر، ومن استشارة إلى أخرى، بينما تبقى المؤسسات تعاني من المشكلات ذاتها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع إصلاحي هو أن يتحول إلى سوق دائم للاستشارات والعطاءات، بدل أن يكون مشروعًا لبناء مؤسسات قوية قادرة على خدمة الناس.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن برنامج التحديث، بل إخضاعه لتقييم وطني مستقل، يجيب بوضوح:
كم أنفقنا؟
ماذا أنجزنا؟
ومن استفاد؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا، بل جوهر الإدارة الرشيدة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون الحكومة مستعدة لكشف كل رقم، وكل عقد، وكل نتيجة أمام المواطنين.
أما الإصلاح الذي يخشى الشفافية… فسيبقى مجرد عنوان جميل، لا أكثر.
























