أمجد الفاهوم يكتب: إربد… المدينة التي كانت تبتسم في وجه أبنائها
نبأ الأردن -
هناك مدن نسكنها، وهناك مدن تسكننا. وإربد كانت، وما تزال، من المدن التي لا تغادر القلب مهما ابتعدنا عنها. هي ليست مجرد شوارع ومبانٍ وساحات، بل رائحة صباح، وصوت بائع ينادي على بضاعته، وشجرة ظلت واقفة في المكان نفسه عشرات السنين، ونافذة بيت كانت تضيء كل مساء فتخبر الحي أن الحياة ما زالت بخير.
من عاش إربد قبل ثلاثين عامًا لا يتذكرها بالأرقام، بل بالمشاعر. يتذكر مدينة كانت تمشي بهدوء، كأنها تعرف أن العمر الطويل لا يحتاج إلى عجلة. كانت الشوارع واسعة تحتضن المارة قبل السيارات، والأرصفة مرتبة، والأشجار تزين الطرقات، والبيوت تتنفس بينها مساحات من الضوء والهواء. لم يكن ذلك مصادفة، بل كان ثمرة عقول آمنت أن المدينة ليست مشروعًا مؤقتًا، وإنما ميراث للأجيال.
كان الذين خططوا إربد يملكون حسًا عمرانيًا يستحق الاحترام. لم يبنوا مدينة لسنوات قليلة، بل رسموا ملامحها بعين ترى المستقبل. ولذلك بقيت كثير من شوارعها الرئيسة تؤدي دورها بكفاءة رغم تضاعف عدد السكان مرات عديدة. كانوا يدركون أن الطريق ليس إسفلتًا فقط، بل شريان حياة، وأن الساحة ليست فراغًا، بل مساحة يلتقي فيها الناس وتصنع فيها الذكريات.
وكان المطر ضيفًا عزيزًا لا مصدر خوف. تهطل الأمطار فتجري المياه في مجاريها الطبيعية، وتؤدي شبكات التصريف دورها بصمت، فلا تغرق السيارات، ولا تتعطل الحياة. لم تكن الحواسيب ترسم الخرائط، ولم تكن الأقمار الصناعية توجه المهندسين، لكن الخبرة، واحترام المهنة، وفهم طبيعة الأرض، كانت تصنع حلولًا ما زالت تصمد حتى اليوم.
أما وسط البلد، فكان قلبًا ينبض بالحياة. لم يكن مجرد سوق، بل حكاية كاملة. لكل متجر قصة، ولكل صاحب مهنة مكانة، ولكل زاوية ذكرى. كانت الوجوه مألوفة، والسلام يسبق البيع، والثقة تسبق الفاتورة. كان الحداد يعتز بمطرقته، والنجار يوقع عمله بإتقانه، والخياط يخجل إن خرج من محله ثوب لا يرضى عنه. لم تكن الجودة شعارًا تجاريًا، بل كانت شرف المهنة.
حتى الأشياء كانت تعيش طويلًا. الباب الخشبي يبقى عشرات السنين، والنافذة تقاوم الشتاء والصيف، والأثاث ينتقل من جيل إلى جيل، لأن من صنعه كان يصنعه ليبقى، لا ليباع فقط. كانت البركة تسكن التفاصيل الصغيرة، وكان الإنسان يحترم ما ينتجه لأنه يعلم أن اسمه مرتبط به.
وكانت المدينة، رغم بساطتها، تعرف كيف تمنح أهلها الفرح. مساءات الحدائق، وأحاديث المقاهي القديمة، ودور السينما، والمكتبات، والزيارات العائلية، كانت تصنع مجتمعًا متماسكًا لا يحتاج إلى كثير من الوسائل ليشعر بالسعادة. كانت العلاقات هي أجمل ما في المدينة، وكانت إربد تعرف أهلها واحدًا واحدًا، فيبادلونها الحب والوفاء.
واليوم… ما زالت إربد جميلة، لكن التعب أصبح ظاهرًا على وجهها.
كبرت المدينة بسرعة حتى سبقت قدرة مؤسساتها على مواكبتها. تمددت الأحياء، وارتفعت الأبنية، وتضاعفت المركبات، لكن التخطيط لم يكبر معها بالوتيرة نفسها. وأصبحت شوارع كثيرة، كانت يومًا مفخرة للمدينة، تعاني من الحفر والتشققات، وكأنها تطلب من يربت عليها بعد سنوات طويلة من الخدمة.
والمؤلم أن المدينة دخلت عصر التكنولوجيا، لكنها ما زالت تفتقد في كثير من مناطقها إلى أبسط مقومات البنية التحتية الحديثة. أحياء كاملة تنتظر استكمال شبكات الصرف الصحي، وأخرى ما زالت تنتظر وصول شبكات الألياف الضوئية، بينما تتكرر حفريات الخدمات بصورة تربك الناس وتستنزف المال والوقت، لأن كل جهة تعمل في وقت مختلف، وكأن المدينة ليست مسؤولية مشتركة.
أما الازدحام، فقد أصبح جزءًا من يوميات الناس. رحلة قصيرة كانت تستغرق دقائق، أصبحت تحتاج إلى وقت أطول بكثير. ليس لأن عدد السيارات ازداد فقط، بل لأن المدينة افتقدت رؤية مرورية متكاملة، ونظام نقل عام حديث، ومواقف كافية، وتوزيعًا عمرانيًا يوازن بين السكن والخدمات والتجارة.
وهنا لا يجوز أن نكتفي بلوم الزمن. فالمدن لا تشيخ وحدها، وإنما تتعب عندما يغيب التخطيط طويل المدى، وعندما تصبح القرارات استجابة لضغط اللحظة بدل أن تكون جزءًا من رؤية واضحة. وما نشهده اليوم هو نتيجة تراكم سنوات من التوسع غير المنظم، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وتأجيل الصيانة حتى تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة، وانشغال كل جهة بجزء من الصورة بينما تضيع الصورة كاملة.
إربد لا تحتاج إلى مزيد من الإسفلت بقدر ما تحتاج إلى عودة العقل الذي صنعها أول مرة. تحتاج إلى أن تجلس مؤسساتها على طاولة واحدة، وأن تخطط لعشرين أو ثلاثين سنة مقبلة، لا لموازنة عام واحد. تحتاج إلى أن تنفذ مشاريع المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والطرق ضمن خطة موحدة، لا ضمن برامج متفرقة. وتحتاج إلى أن تستعيد ثقافة الصيانة الوقائية، لأن إصلاح الطريق قبل أن يتآكل أقل كلفة بكثير من إعادة بنائه بعد سنوات.
ولأنها مدينة الجامعات والعلم، فمن حقها أن تستفيد من خبرات أبنائها في الهندسة والتخطيط والإدارة والبيئة. فالعقول التي خرجت من إربد وأسهمت في بناء مدن داخل الأردن وخارجه، قادرة على أن تكتب فصلًا جديدًا من تاريخ مدينتها إذا أتيحت لها الفرصة.
إربد ليست مدينة فقدت جمالها، بل مدينة غطى التعب بعض ملامحها. وما زالت في أحيائها القديمة، وفي بيوتها العتيقة، وفي أشجارها، وفي وجوه أهلها، تلك الروح التي جعلت كل من عاش فيها يحملها معه أينما ذهب.
إن أجمل وفاء لإربد ليس أن نبكي على ماضيها، بل أن نحمي مستقبلها. وأن نتذكر دائمًا أن الأجداد لم يتركوا لنا مدينة جميلة بالصدفة، بل تركوا لنا درسًا في الإخلاص والإتقان وحسن التخطيط. وإذا استطعنا أن نستعيد ذلك الدرس، فستعود إربد كما عرفناها دائمًا… مدينة تفتح ذراعيها لأهلها، ويعود إليها أبناؤها وهم يشعرون أن لكل حجر فيها نبضًا، ولكل شارع حكاية، ولكل زاوية مكانًا محفوظًا في القلب لا يشيخ مهما مضت السنوات.


























