اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ميسر السردية تكتب: وقمح.. يا لهب الصيف الأحمر

ميسر السردية تكتب: وقمح.. يا لهب الصيف الأحمر
نبأ الأردن -
كان أطول مواسم الرزق كل عام، يبدأ مع استهلال شهور "جريدان" حيث ولى القيظ، وأصفرت بشرة الأرض، وبوشرت مرحلة تقليبها، ونقل البذار إليها. البعض يشتري بذارًا، وآخرون يكتفون بما خزنوه أو زاد عن حاجتهم من الموسم الماضي.. يتحرون الدقة في اختيار شقفة الأرض، الكمية الأنسب، جودة التربة وصنف الحب ومصدره، فـ"النارسي" مثلًا، هزيل السنبلة، ضعيف الجودة، وفي الحسبان المونة والأعلاف والتربح من بيع الفائض أيضًا، كما أن تبن القمح أجود وأثمن من تبن الشعير، ولأن "المناجل" غير مناسبة لطبيعة حصادنا، فقمح "المسيل" -مكان مجرى السيل- شتله وقصفه صعبًا بالأيدي، حيث تتصلب سيقانه، وتشتد عليه التربة، وكأنهما يأبيان الفراق، إن كان ذاك الموسم المطري حسب المأمول.
ولأن الصغار أسوة بالكبار، ينخرطون في عجلة الإنتاج، كان يوكَل إلينا مهمة نقل القمح في مواعين صغيرة، وتزويد البذارين المتواصل قبل أن تفرغ "شلانهم"، بعضهم كان يتزنر حول خصره بشماغ أو أي منديل، يملؤه قمحًا، غالبًا ما كن النساء يفعلن ذلك أكثر من الرجال، للحيلولة دون كشف ما تحت "الشرش" من ثياب، وهذا طبعًا عندما كان الستر والحياء مطلبًا، حتى في الخلاء.. ومازلت أذكر نصرة وهي تشد خصرها تقول: "بنت العرب يا ويحي ومزنرة بشويحي.. بنت العرب يايمة ومدقدقة بالرُمة".
نسعى سريعًا، ذهابًا وإيابًا، ننقل بدأب مسافة تطول كل مرة، لا مكان للشكوى والتملص حتى ولو انقطع حذاؤك، يجب إنجاز العمل قبل نهاية النهار، نحن في جهة والحراث يأتي على ما تم بذره في جهة أخرى، وكأنه يطمر مسابقًا أسراب النمل الساعية من كل صوب لنيل حقها من مال الله.
يدخل الشتاء، نستمع لهواجسهم حول مصير ما أودعناه تحت الأثلام، مع كل مطر يتحزرون، ترى أين ضرب الرعد تلك الليلة؟! يجزمون: "وكاد فوق قمحاتنا صُمّد" ننشد تحت زخ الغيم: "يا الله الغيث ياربي تسقي زرعنا الغربي"، أحدث نفسي دون البوح لأحد، ولكن زرعنا جنوبي، هكذا هو سجع الكلمات، نستمر بأهزوجة أخرى: "يا الله الغيث يادايم تسقي زرعنا النايم".. ننتظر أيام الصحو، نرافقهم لتفقد الأرض كتفقد الحبيب عيون حبيبته، جُمّ عُشيبات نبتت هنا وهناك، "ما شاء الله، شمس يومين ثلاثة.. وكله يصمّخ.. يارزّاق ياكريم وبالحال عليم".
ويمضي معظم الربيع، تصير السنابل بين بين، مخضرة مصفرة، نحصد الطري منها حسب حاجتنا، نكومها بعيدًا، نشعل النار فيها، نضجها المتوسط يعني أنه حان وقت "الفريكة"، لهب يرتجف، غروب يتثائب، وشمس تلملم أذيال ثوبها، نُقلّب كومة السنابل، يعجبنا مشهد تطاير الشرر في كل اتجاه، رائحة الاحتراق مغرية، نفرك ما نضج بين الكفين ونلتهم حبات دافئة، تتشكل دوائر سوداء حول أفواهنا، "نضحك من بعضنا البعض، شُحّار يلون ما حول الشفتين: صار لك شارب، وأنتِ صار لك شارب كمان..."
انتهى وقت اللهو والتنزه ومطاردة الجنادب وحفر جحور الجرابيع، بدأ العد التنازلي لبلوغ مرحلة "المناهدة والمناكدة" والحكم الجبري الذي لن تفلت منه إلا إذا تحققت أمنيتك وأصبت بمرض لطيف، ليس أقل من انفلونزا صيف ولا أبعد من جدري الماء، تكسب عطفهم وتُعفى من العمل لتظل في البيت مع الخوالف من الرضّع والدجاجات والقطط.
٢
الأصعب كان حين حصاد "الحقلة" التي تبعد عن القرية مسافات بعيدة جدًا، مما يعني استيقاظنا قبل الفجر، نمضي حيث دهي، الدنيا ندى والهواء غربي، مسير شاق وموحش بالنسبة لأعمارنا.. يفر "حصيني" من وراء رجم في طريقنا، نجفل خشية من أن يكون شبح، لطالما سمعناهم يتحدثون عن روح "الكتيل" الذي يظهر في أرض فياض رحمه الله، لا مناص، ولابد من المرور من عبرها، تحاول جدتي طمأنتنا، تقول: "شوفة الحصيني فأل خير، أشوى من شوفة الأرنب"، تردد، ونعيد خلفها التعويذة: "باسم الذيب والخطيب واسم محمد ما يغيب..باسم السكة والفدان على قليبك يا حمدان".. تشير إلى السماء، تشرح لنا بعض أسماء النجمات.. أفكر.. من هو حمدان هذا؟!.. تحاول تبديد خوفها وخوفنا.. ترفع صوتها، تهيجن: "يا راكب اللي يهجني، من باب حايل لعُمانِ، سلّم على اللي سأل عني، من فوق ميّحات الأردانِ".. أنشغل مع نفسي، ترى كيف هذه العُمانِ؟ وما هي حايل تلك.
ينتظم صفنا كصف الصلاة، نحصد وجه قمح تلو آخر، نحرص أن لا نبتعد عن بعضنا، نراقب متى تشرق الشمس.. تتسع المساحة المحصودة خلفنا، يستمر الكبار بعملهم، فيما نبدأ نحن بجمع "الغمور" المتراكمة، ننضدها في "حلة" بعد أخرى. حتى يحين موعد الإفطار المتقشف، شاي وخبز، لبنة وما تيسر من حبات خضار أحيانًا.. وحدنا كنا، نادرًا ما كان يرافقنا جدي تلك السروة، قد يكون تنازل عن بعض مهماته، فهذا سيد الدار الذي يدير الحياة بكلمة لا نقاش فيها، مع ذلك كنا نناقشه ونناكفه، ونهاية الجولة تنفذ رغبته.. يزداد إحساسنا بالطمأنينة معه، يرتفع حداؤه لشحذ معنوياتنا، صوته جميل، أغلب ذاك الحداء كان ذا بعد ثوري، مثلًا: "إن هلهلتي هلهلناك، صفينا البارود قبالك.. وإن هلهلتي يا عروبية واحد منا يسوى ميه"، ومنه كانت أول مرة أسمع فيها مفردة "عروبية" المترسخة حتى الآن في ذهني.. نعود عرقى، نتشوق للانبطاح تحت مروحة السقف، أحيانًا نتغدى بطيخ وخبز، لا حيل بنا لطهي طعام -على فكرة- بطيخ منطقتنا في البادية كان وما زال الألذ والأشهى مذاقًا، ولا ينافسه صنف آخر على الإطلاق.
٣
تعال نقفز عن تفاصيل مرحلة "الرجاد" وتحميل المحصول إلى مطرح البيدر على أطراف القرية، انقضى زمن السروة من "الفجرية"، وغابت خشية الأشباح ومفاجأة عوالم الهوام، وحان موعد "دراس" وقطف ثمرة تعبنا الطويل.. مرات كنا نستعين "بالدراسة"، هذه ليست ممتعة بالمرة، آلة كبيرة يملأون فوهتها بالقش فيخرج القمح من فوهة أخرى، أما الأروع، وكان نادرًا في ذلك الزمن الذي يعتبر متطورًا، فهو لوح الدراس الذي يجره بغل، والمتعة هي جلوسنا فوقه كي يثقل ويهرس السنابل، يدور بنا، نتشقلب عنه، لا نبالي بالوخز لنكرر الوثب مرة أخرى. ثم ندخل في الموانسة الحلوة عندما يأتي عمنا "أبو طالب" رحمه الله، حاملًا المذراة -على فطنة- ما زلت أحتفظ بتلك المذراة"كزينة" قد يكون عمرها تجاوز الآن سبعين حجة، أبو طالب محترف ولطيف في عمله، يباشره وقت العصاري والهواء غربي: "هب الهوا يا ذاري، قمح بلا مصاري" كان التلفزيون آنذاك يبث في نفس الوقت المسلسل الكرتوني دونكيشوت، لم أفهمه، أو كان أكبر من استيعابي حينها، ولأعرف بعد عمر أن حياتنا لا تخلو من دونكيشوات يقاتلون طواحين الهواء.. أنطلق حيث البيدر لأستمع للعم أبي طالب، أروع حكّاء عايشته، ينظم شعرًا ويذكر طرائف من الحياة.. يهبط الليل، يبرق الهلال رفيعًا بعيدًا، تمارس طقسًا غريبًا وهي تنظر صوب السماء، تنادي بأسمائنا واحدًا واحدًا.. تختم: "تعالوا عن العتمة يا حبايب" الطقس عذبًا، لا نخاف من المقبرة التي تحاذي بيدرنا، مع أنه قيل كذا مرة أنه سمع صراخ طفل فيها.. ورجل يخرج منها أيضًا.
٤
القمح كل حياتنا، حد القداسة، مصيبة إن وطأت بدون انتباه كسرة خبز، نقبلها ونرفعها فوق رؤوسنا نستغفر.. نملأ "الكواير" في المخزن، والتبان، نغربل كمية كبيرة، نسلق جزءًا منها، برغل ناعم للكبة، وبرغل خشن للمجدرة، نجرش كمية أخرى للرشوف وللكشك، أما الطحين فطوال العام لا ينقطع.. كل صباح "ذفال" خبز طازج، أرغفة شقراء كقمر الدين، تحضنا جدتي لنأكل ما تبقى من كسرات جافرة.. تخوفنا، وتدعي أن الله يوم القيامة سيعاتبنا إن أعرضنا الكسرة الصغيرة، سيقول: "يا ويلك يا عبدي من ناري.. أكلت كباري وتركت صغاري".. لديها مخزون حكاوي لا ينضب، منها عرفت أن القمح هو نفسه "البر"، حدثنا أن سيدتنا فاطمة الزهراء -عليها رضوان الله- كانت تطحن بيدها البر على الرحى.. والطحين رمز الاكتفاء، ولُب الستر، والأمثال الدارجة كثيرة: "الخبز الحاف يربي اكتاف"، ولقليل المروة الذي يستعرض: "شوفيني وشوفي زولي"، ولا يجد طحينًا، يغمزونه: "خير كثير في بيت بشير، بس طحين ولا طقة"..بل حتى المحسود كانوا يبخرونه بالطحين..
غماس، خبز وزيت وزعتر ودبس، حلاوة، عنب ولبن وبصل.. حتى عندما نذهب لنلعب بعيدًا ندس في جيوبنا خبزًا لا يخالطه شيء. والأطيب ما قبل زمن "النوتيلا" إن كانت هناك عروس سمن وسكر.
٥
رأينا نارًا دبت في حقل قمح، لا أدري كيف هرع الناس من كل حدب، يحاولون إطفاء الحريق، صاحب الحقل أبو جمعة يستفزع ويكبر، حثثنا معهم التراب.. خمد الحريق على الأطراف، بعضهم يستخرج أشواكًا من كفيه.. تساءلوا كيف حدث ذلك؟! استنطقونا كشهود عيان.. كنا هناك نحاول ترويض جحش عندما نشبت النار في الزرع.. رأينا رجلاً يرتدي قميصًا أزرق مر من المكان، كان يدخن.. لم يستطيعوا تحديد شخصه.. قال أحدهم: "خلصوا يا جماعة، احمدوا الله على السلامة.. تلاقوه هامل رمى زرزورة سيكارة وهبت النار.. والوقت صيف، والزرع قايس.. أكيد مو عمدًا".. هبطت الشمس وعدنا، وكانت التعليلة عن الحريق.. مر ما مر. وكنت كلما شهدت فرحًا وسمعت الرجال يغنون في دبكة "جوفية": "هبت النار وبراس السيكارة.. الملك حسين يا حامي الوزارة" يستدعي ذهني "الطري" ذلك الحريق، وأتخيل كل ما دار من حكي.. "هبت النار بسبب سيكارة" كما توقعوا حينئذٍ.. على فكرة، "الجوفية" إحدى أشكال فنون الدبكات في الأردن، ذكورية أكثر من أنثوية، يتقابل فيها صفان من الشباب، ولها أغانيها ذات اللحن الحماسي والوقع الرجولي.
هذا التداعي تذكرته الآن، وأنا أشعر بحسرة على حقول القمح المحترقة، كل مرة في مكان، أعي مأساة أهلها، تعبهم، انتظار الحب الذهبي، الذي تحول رمادًا بطرفة عين.. هل كانت زرزورة سيكارة كصاحب القميص الأزرق.. أم انتقام حاقد.. أم أن هناك من يراهن على مقولة قالها لنا جدي عندما كنا نتذمر من الحصيد وصنع لقمتنا بجهدنا.. قال: "أموت وأشوفكم يا.. والله غير كل واحد شايل خبزاته بكيس بلاستيك من الدكانة يا.." .. أهي مصادفة وعبث.. وحياة ذكرى كل من صاروا تحت التراب.. وكل ذاك الحداء الشجي.. وكل أقمار البيادر.. أنها مصيبة.. صار الحقل بعيدًا، وهبت النار.. وظل صوت "متعب" رحمه الله البهي كسهول حوران يعاودني وأنا أقفر فوق القش أردد أغنية النهاية: "عبدالقادر ناصب شادر ع البيادر للزينات.. يا حليلي وافتحيلي.. بس الليلة تّني أبات".. ولسه في زينات... !!!!
مع خالص مودتي وتقديري، لحارس القمح .. ليث دويكات
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions