م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تصبح الإتلافات مؤشراً على خلل الوقاية...
نبأ الأردن -
هل تحتاج منظومة الرقابة في الأردن إلى إعادة تعريف للنجاح؟
في الدول التي تتبنى فلسفة الإدارة الحديثة، لا يُقاس نجاح الأجهزة الرقابية بحجم ما تصادره أو تتلفه من بضائع، وإنما بحجم ما تمنعه من الوصول إلى الأسواق أصلاً. فالرقابة ليست سباقاً في تسجيل الضبطيات، بل منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تبدأ قبل دخول المنتج إلى السوق، ولا تنتهي عند تحرير محضر مخالفة أو إصدار قرار بالإتلاف.
ومن هنا، فإن الإعلان عن إتلاف عشرات الآلاف من المنتجات المخالفة خلال النصف الأول من عام 2026 لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إنجازاً رقابياً فحسب، بل باعتباره مناسبة لإجراء مراجعة وطنية شاملة لفاعلية منظومة الرقابة الوقائية.
فالأرقام التي أُعلنت، وتشمل أكثر من أربعين ألف لعبة أطفال، وأكثر من ثلاثة وأربعين ألف مستحضر تجميل، وآلاف الوصلات الكهربائية والمقابس غير المطابقة، تفرض سؤالاً لا يجوز القفز فوقه: أين كانت منظومة الوقاية قبل أن تصل هذه المنتجات إلى رفوف الأسواق؟
فالرقابة اللاحقة، مهما بلغت كفاءتها، تبقى اعترافاً ضمنياً بأن مرحلة سابقة لم تحقق الغاية المنشودة بالقدر الكافي. إذ إن المنتج الذي وصل إلى المستهلك، أو كاد أن يصل إليه، يكون قد تجاوز حلقات متعددة من الرقابة، تبدأ بالمنافذ الحدودية، وتمر بإجراءات المطابقة والفحص، وتنتهي بعمليات التداول داخل الأسواق.
وهنا يكمن الفرق بين رقابة تلاحق المخالفة، ورقابة تمنع المخالفة.
فإذا كانت السلع مستوردة، فإن السؤال يتجه إلى كفاءة منظومة تقييم المطابقة عند المنافذ الحدودية، ومدى كفاية الفحوصات الفنية، وآليات التحقق من شهادات المطابقة، وفاعلية إدارة المخاطر في تحديد الشحنات عالية الخطورة قبل الإفراج عنها.
أما إذا كانت المنتجات مصنعة محلياً، فإن القضية تصبح أكثر حساسية، لأنها تعني أن منتجات غير مطابقة خرجت من خطوط إنتاج داخل المملكة، وهو ما يستدعي مراجعة برامج التفتيش على المصانع، وآليات الرقابة على العمليات الإنتاجية، ومدى الالتزام المستمر بالمواصفات الفنية، وليس الاكتفاء بإجراءات الترخيص الأولية.
إن الخسارة الحقيقية لا تكمن في قيمة البضائع التي أُتلفت فقط، وإنما في الثمن الذي يدفعه المجتمع بأكمله.
فالمستهلك قد يكون تعرض للخطر قبل اكتشاف المخالفة، والاقتصاد الوطني يتحمل كلفة الاستيراد والنقل والتخزين والإتلاف، والدولة تنفق موارد بشرية ومالية لمعالجة مشكلة كان يمكن منعها من جذورها، بينما تتأثر ثقة المستثمر والمستهلك كلما تكررت مشاهد الإتلاف وأخبار المنتجات غير المطابقة.
والأخطر من ذلك أن الاعتياد على نشر أرقام الضبطيات قد يصنع، من حيث لا نشعر، ثقافة تعتبر كثرة الإتلافات دليلاً على النجاح، في حين أن الإدارة الحديثة تعتبر انخفاض الحاجة إلى الإتلاف هو المؤشر الحقيقي على نجاح الرقابة الوقائية.
إن المؤسسات الرقابية الأكثر تطوراً في العالم لم تعد تعتمد على التفتيش التقليدي وحده، بل انتقلت إلى الرقابة المبنية على المخاطر (Risk-Based Inspection)، وإلى إدارة المخاطر (Risk Management)، وتحليل البيانات، وتتبع سلاسل الإمداد، وتصنيف المستوردين والمصنعين وفق مستويات الامتثال، بحيث تتركز الموارد الرقابية على مصادر الخطر الحقيقية.
وفي هذا السياق، فإن مراجعة مؤشرات الأداء المؤسسي أصبحت ضرورة. فبدلاً من الاحتفاء بعدد الضبطيات أو كميات الإتلاف، ربما يكون الأجدر قياس نسبة انخفاض دخول السلع المخالفة إلى الأسواق، وانخفاض شكاوى المستهلكين، وارتفاع مستويات الامتثال، وتعزيز الثقة بالمنتج الوطني وببيئة الأعمال الأردنية.
إن المطلوب اليوم ليس التشكيك في جهود مؤسسة المواصفات والمقاييس، فدورها الوطني في حماية المستهلك والاقتصاد محل تقدير، وإنما فتح نقاش مهني حول تطوير فلسفة العمل الرقابي نفسها، بحيث يصبح النجاح مرادفاً للوقاية لا للعلاج، ولمنع الخطر لا لإزالته بعد وقوعه.
فالرقابة الحقيقية ليست تلك التي تُكثر من الإتلاف، بل تلك التي تجعل الإتلاف حدثاً نادراً. وهي ليست التي تتباهى بعدد المخالفات التي اكتشفتها، بل التي تنجح في تقليص عدد المخالفات التي يمكن أن تقع أصلاً.
وعندما تصبح الوقاية هي المعيار، وتصبح إدارة المخاطر هي البوصلة، عندها فقط يمكن القول إن منظومة الرقابة تؤدي رسالتها كاملة: حماية الإنسان، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وترسيخ الثقة بالدولة ومؤسساتها، وبالسوق الأردنية باعتبارها سوقاً آمناً وعادلاً وقادراً على جذب الاستثمار قبل حماية المستهلك.























