إيمان العكور تكتب : الجنرال… ظاهرة تبحث عن تفسير
نبأ الأردن -
منذ سنوات، ظهر اسم غريب على منصات التواصل الاجتماعي…
General Inspector.
لا صورة. لا اسم حقيقي معلن. ولا ذلك الخطاب التقليدي الذي اعتدنا عليه من بعض الحسابات الخارجية؛ خطاب قائم على الشتيمة والصراخ والتخوين.
كان ينشر وثيقة.
ثم يضع أمامها سؤالًا.
ثم يعود إلى القانون.
وهنا بدأت الحكاية.
لم يكن الغريب فقط في الملفات التي يطرحها، بل في الطريقة التي يتعامل بها معها؛ لغة هادئة، مصطلحات قانونية، ومطالبات بأن تقوم المؤسسات الرسمية بدورها.
البعض رآه صوتًا للرقابة الشعبية. والبعض الآخر تساءل عن هويته ودوافعه ومصادر معلوماته.
وكلا السؤالين مشروع.
فالوثيقة لا تصبح حقيقة فقط لأن من نشرها مجهول. والشخص لا يصبح مخطئًا فقط لأنه اختار أن يخفي اسمه..لكن الواقع الذي يتكشف بعد كل قضية يثيرها هو ما يجعل الغالبية تثق بما يكتب.
في الصحافة، لا تكفي النوايا. هناك تدقيق، وتحقيق، وقرائن، ومسؤولية..وهذا ما يعزز ما يطرحه..كل شيء موثق وواضح.
لكن ما يستحق التوقف ليس فقط: من هو الجنرال؟
السؤال الأهم: لماذا وجد هذا الحساب كل هذا الصدى؟
لماذا أصبح آلاف الأردنيين يتابعون شخصًا لا يعرفون وجهه، وبعضهم يرسل له ملفات وشكاوى؟
لماذا يثق به الناس؟
لماذا تخاف بعض الأسماء من ظهوره؟
ولماذا يشعر البعض بالارتياح عندما يرى مسؤولًا يُسأل، ولو من حساب مجهول؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
فربما لم يصنع الجنرال نفسه فقط… ربما صنعت الحاجة إليه جزءًا كبيرًا من حضوره..صنعه الظلم والمحسوبية والتغول على حقوق الناس..
صنعه المواطن الذي شعر أن صوته لا يصل. وصنعه الموظف الذي رأى تجاوزًا ولم يعرف أين يضع شكواه. وصنعه كل من طرق بابًا طويلًا ولم يجد إجابة.
هنا يصبح الموضوع سؤالًا عن الثقة. عن المسافة بين المواطن والمؤسسة.
عن ذلك الشعور المتراكم لدى البعض بأن هناك ملفات لا تصل إلى الضوء إلا إذا حملها شخص لا يخاف فقدان منصبه أو مكانته.
هذا لا يعني بالضرورة أن كل ما ينشره صحيح.. ولا يعني أن كل من يختلف معه فاسد أو متضرر..لكنه صوت اردني حر..يعتذر اذا ما اخطأ وهذه قمة الشفافية..
فحتى أكثر الأصوات تأثيرًا تحتاج إلى رقابة، لأن الحقيقة لا تُمنح لأحد على بياض..ولا اعتقد انه يستهدف شخصا دون غيره لاي اسباب خاصة.
لكن في المقابل، فإن اختصار الظاهرة بشتم الرجل أو السخرية من اسمه المستعار لا يجيب عن الأسئلة. فالشتيمة لا تفنّد وثيقة. والهجوم لا يشرح لماذا يتابعه الناس. بل أحيانًا… يمنحه مساحة أكبر كي يكشف أكثر عن ملفات الفساد التي تنخر عظم الدولة منذ عقود.
الأغرب في قصة الجنرال أن خصومه لا يواجهون فقط شخصًا خلف شاشة، بل يواجهون سؤالًا أعمق:
هل المشكلة في الرجل الذي يتكلم؟ أم في البيئة التي جعلت كثيرين يشعرون أنهم يحتاجون إلى رجل مجهول كي يسمعهم ؟
الجنرال قد يخطئ. وقد تصيب بعض ملفاته. وقد يحاول البعض استخدامه لتصفية حسابات.
كل ذلك ممكن.
لكن الظاهرة نفسها حقيقية، وتستحق الدراسة: لغته. توقيت نشره. مصادر وثائقه. تأثيره. وطريقة انتقاله من منصة إلى أخرى ومن متابعين محدودين إلى جمهور واسع.
الدول القوية لا تخاف من الأسئلة.
بل تخاف فقط من الأسئلة التي لا تجد طريقًا واضحًا للإجابة.
ربما يتقاعد الجنرال يومًا..
سيكون هناك جنرالات غيره ..يغارون على الوطن..حتى لو من خلف شاشة اصبحت المتنفس الوحيد امام كل مظلوم.
السؤال الذي يجب ألا نتجاهله: إذا اختفى الجنرال… هل تختفي الأسباب التي جعلته يظهر؟
لأن الحسابات المجهولة لا تولد دائمًا من شجاعة أصحابها فقط…
أحيانًا تولد من صمت الأبواب التي كان يجب أن تُفتح قبل أن يطرق الناس بابًا بلا اسم..
المشوار مستمر..والوطن بحاجة ان نكون جميعا جنرالات من أجله..


























