عبدالله بني عيسى يكتب : اسمٌ مستعارٌ بديلاً عن المؤسسات !
نبأ الأردن -
مهم، بل وضروري للغاية، أن يكون لدينا من يراقب الأداء العام، ويتعقب كل واقعة فساد، أو مشروع واقعة، أو حتى مجرد اشتباه في الفضاء العام الأردني؛ فلا شيء يزعج الأردني ويفتّ في علاقته بالدولة أكثر من شعوره بأنه منهوب، وأنه ضحية غياب العدالة، لا قلة الفرص والإمكانات.
لكن، في المقابل، هل يصح لدولة تجاوز عمرها مائة عام أن ينتظر مواطنوها حساباً باسم مستعار على فيسبوك ليتولى مهمة تعقب الفاسدين؟ أين المؤسسات التي بنيناها إذن طيلة هذه العقود والسنوات؟ وكيف لنا أن نضع كامل ثقتنا بشخص لا نعرفه، وبالضرورة له ميوله وأهواؤه وحساباته، وننزعها من مؤسسات تعمل بالقانون الضامن للحيادية والنزاهة والدقة؟
قد يجد الناس ضالتهم في شخص يرونه منقذاً، يراقب ويحاسب الفاسدين بالنيابة عنهم ويقوم بدور الادعاء والقاضي، ولا يُلامون في ذلك. غير أن المؤسسات التي تراقب وترى تسارع نمو هذه الظاهرة دون أن تنتفض لإعادة الأمور إلى نصابها تعزز شكوك المواطنين بأنها غير قادرة على هذه المهمة. وإذا صحّ كلام "صاحب الاسم المستعار" -ولا أظن ذلك- حين تحدث صراحة أو تلميحاً بأنه يتعامل مع جهات رسمية ويستمد معلوماته منها، فإننا أمام معضلة أكبر. فإذا كان ثمة من يتعمد تسريب وثائق تتعلق بالفساد من داخل المؤسسات، فأي ثقة يطلبها المسؤولون في الدولة من المواطنين بعد ذلك، إذا كان هذا المسؤول ذاته لا يثق بمؤسسته؟
خطورة ظاهرة صاحب الاسم المستعار تكمن أيضاً في نيله ثقة المواطنين، لا في قضايا الفساد وحسب، بل في الآراء والمواقف السياسية أيضاً. وقد قرأت له آراء غير دقيقة تعزز الحالة الشعبوية التي تغرقنا منذ سنوات في مسارات يغيب فيها المنطق، وتظهر فيها لغة حادة مليئة بالانحيازات العمياء استمطاراً للإعجابات.
سأكون سعيداً للغاية لو أن ما يقوم به صاحب "الاسم المستعار" كانت تقوم به مؤسسة رسمية موجودة لهذه الغاية، أو مجلس نواب، أو حتى منظمة أهلية مرخصة، أو حزب سياسي، أو جمعية للشفافية، تعمل وفق القانون، وتأخذ مساحتها الجريئة والمتقدمة في محاربة الفاسدين باستقلال تام، دون تدخل من أحد. غير أن تسليم أمورنا لأشخاص يتأثرون، بالضرورة، بقناعاتهم وأفكارهم وأهوائهم الشخصية، يعني شرعنة وقبولا بغياب المؤسسات عن الفضاء العام. وهنا مقتل الدول.


























