اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. طلال الزبن يكتب: بين الحق في كشف الفساد وواجب حماية العدالة

د. طلال الزبن يكتب: بين الحق في كشف الفساد وواجب حماية العدالة
نبأ الأردن -
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتبادل الأخبار والآراء والاتهامات، يبرز سؤال جوهري: كيف نحارب الفساد دون أن نسمح بتحول المعركة إلى فوضى من التشهير والاتهامات غير المنضبطة؟

إنني أؤمن بأن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية لا يختلف عليها اثنان، وهي واجب يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها والمواطن في آن واحد،لكن هذا الإيمان لا يعني القبول بأن تتحول صفحات ومواقع التواصل – أياً كان اسمها أو توجهها – إلى منصات لإطلاق الاتهامات أو نشر الشبهات دون المرور عبر القنوات القانونية والرقابية المختصة.

من وجهة نظري، إن من يملك بينة أو وثائق أو معلومات موثقة عن أي شبهة فساد، فإن واجبه الوطني والأخلاقي يقتضي تقديمها إلى الجهات الرقابية المختصة، سواء كانت الجهات الرقابية الداخلية في المؤسسة، أو الجهات الرقابية الخارجية، أو هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، أو القضاء، مع أهمية التدرج الاداري، لأن هذه الجهات وحدها تملك الصلاحية القانونية للتحقيق، وجمع الأدلة، واتخاذ الإجراءات المناسبة فجميع وزارات ومؤسسات الدولة تحتكم إلى لوائح رقابية داخلية ومدونة السلوك الوظيفي التي تضبط عمل موظفيها .

أما نشر الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل التحقق منها، فإنه لا يخدم الحقيقة بقدر ما يفتح الباب أمام التشهير، والإساءة إلى سمعة مؤسسات وأشخاص قد تثبت براءتهم لاحقاً، كما قد يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات دون وجود أحكام أو قرارات رسمية تثبت تلك الادعاءات او انه بالمقابل يساعد على تنبيه مرتكب الجرم ليخفي فعلته او جرمه وهكذا .

نشاهد في بعض المؤسسات حالة من فوضى التشكيك والتخوين داخل المؤسسات تحت عنوان (من سرب؟ من أوصل المعلومة منقوصة؟ من ومن الخ........) كل هذا لايخدم مصلحة خدمة المواطن، بحيث اصبح الزميل يشك بزميله، والمدير يشك بالموظف والموظف يشك بالمراجع ومايرافق ذلك من حالات احتقان وهدم للثقة، لأن الوعي وعدم الانجرار إلى الفتن هو معيار نسبي، فلا نراهن على الثقافات فهي تختلف من فرد لاخر .

إن مكافحة الفساد لا تتحقق بصخب المنشورات، وإنما ببناء ملفات قانونية متكاملة تستند إلى الأدلة والوثائق، لأن العدالة لا تقوم على الانطباعات أو الشائعات، بل على الوقائع والإثباتات والإجراءات القانونية السليمة، وسيادة القانون هي الضمانة الحقيقية للإصلاح، فهي تحمي المجتمع من الفساد، وفي الوقت نفسه تحمي الأبرياء من الظلم والتشهير، وعندما نحتكم إلى المؤسسات الرقابية والقضائية، فإننا نضمن محاسبة المقصر، وصون حقوق الجميع، وتعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها.

إن الوطن لا يُحمى بالصراخ ولا بحملات التشهير، وإنما بالمعلومة الموثقة، والإجراء القانوني، والوعي المسؤول، ومن أراد الإصلاح الحقيقي، فليجعل القانون طريقه، والعدالة هدفه، والمصلحة العامة بوصلته، لأن الحقيقة عندما تصل إلى الجهات المختصة تكون أقوى من أي منشور، وأبقى من أي حملة عابرة، فالوعي واحترام سيادة القانون، والالتزام بالقنوات الرقابية المختصة، هي الطريق الأمثل لمكافحة الفساد، وحماية مؤسسات الدولة، وصون حقوق المواطنين، وترسيخ العدالة التي تقوم عليها الدول القوية ومازال الأردن قوي بقيادته وأجهزته الأمنية وبمؤسساته الراسخة وحكومته التي تبذل كل ما من شأنه من اجل مواجهة جميع التحديات والمضي قدماً في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions