عامر الشوبكي يكتب: هرمز بلا حسم… كلفة عدم اليقين التي يخشاها العالم
نبأ الأردن -
مشكلة حرب هرمز لا تقف عند ارتفاع الأسعار، فالأخطر أن يفقد العالم قدرته على قراءة الحاضر والمستقبل معاً. فالاقتصاد يستطيع، ولو بألم، أن يتعامل مع صدمة واضحة: حرب لها بداية ومسار ونهاية مرجّحة. لكنه يفقد بصيرته عندما تبقى الحرب قابلة للعودة في أي لحظة، وعندما تغيب الضمانات الكافية لمرور آمن من دون تهديد أو رسوم في مضيق هرمز.
من هنا أتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها اختباراً عميقاً لعصر كامل من عدم اليقين، لا مجرد أزمة ممر مائي أو موجة عابرة في أسعار النفط. فالمضيق الذي تمر عبره حصة بالغة الأهمية من الطاقة العالمية يحمل معه أيضاً توقعات التضخم، وقرارات البنوك المركزية، وكلفة الشحن والتأمين، وثقة المستثمر، وميزانيات الحكومات، وحتى أسعار الغذاء والصناعة والتكنولوجيا.
ولا تقف الخطورة عند النفط ومشتقاته، رغم أهمية عبور نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية من هذا المضيق. فالخليج والمنطقة المحيطة به يمثلان عقدة مركزية في سلاسل الإمداد الصناعية والغذائية. فمن الخليج يخرج نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وتملك دوله نحو 6% من الطاقة الإنتاجية العالمية للبتروكيماويات، وهي صناعات تدخل في البولي إيثيلين، والبولي بروبيلين، والبوليمرات، والتغليف، والأنابيب، وقطع السيارات، والأجهزة الطبية، والكابلات، والعوازل، والمنسوجات، ومواد البناء، والعبوات، والسلع الاستهلاكية.
وتتسع الدائرة أكثر عند الأسمدة والكبريت والمعادن. فالمنطقة تمثل ثقلاً عالمياً في الأمونيا واليوريا والأسمدة، وتستحوذ على نحو 23% من تجارة الأمونيا العالمية و34% من تجارة اليوريا. كما يزوّد الشرق الأوسط قرابة نصف تجارة الكبريت البحرية العالمية. والكبريت ليس سلعة هامشية؛ فهو أساس في إنتاج حمض الكبريتيك الذي يدخل في صناعة الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية والتعدين والبطاريات والصناعات الكيميائية. وحتى الألمنيوم، تنتج دول الخليج منه نحو 8% من الإنتاج العالمي الأولي، ويمتد أثره إلى الطيران والسيارات والكهرباء والبناء والطاقة المتجددة. أما الهيليوم، القادم من سلاسل الغاز الطبيعي، فقطر وحدها قد تمثل نحو 30% من الإمداد العالمي، وهو عنصر حاسم في الرقائق وأجهزة الرنين المغناطيسي والألياف البصرية والصناعات الدقيقة.
لذلك فإن حرب هرمز لا تعني ارتفاع سعر برميل النفط أو تأخر ناقلة غاز فحسب، وإنما تفتح الباب أمام انتقال الصدمة من الطاقة إلى الغذاء، ومن الغذاء إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى التكنولوجيا. هنا تصبح كلفة عدم اليقين أخطر من كلفة الحرب نفسها؛ لأن السوق ينتقل من تسعير النفط إلى تسعير الخوف على منظومة كاملة تقف خلف حياة الناس اليومية: الكهرباء، الدواء، الغذاء، النقل، الملابس، الأجهزة، مواد البناء، السيارات، المصانع، والمعادن.
والخطر الأكبر يكمن في بقاء علاوة المخاطر معلقة فوق الاقتصاد العالمي. حين لا يعرف المستثمر هل انتهت الحرب أم توقفت مؤقتاً، فإنه يؤجل قراره. وحين لا تعرف شركة التأمين أو الشحن إن كان الطريق آمناً، فإنها ترفع كلفتها أو تغيّر مسارها. وحين لا يثق البنك المركزي بأن صدمة الطاقة انتهت، فإنه يتردد في خفض الفائدة. وهكذا تتحول الحرب غير المحسومة إلى ضريبة يومية غير معلنة، يدفعها العالم في كل عقد، وكل شحنة، وكل فاتورة.
لهذا السبب قد تكون الحرب المحسومة، رغم قسوتها، أقل إرباكاً للأسواق من حرب مفتوحة بلا نهاية. والحسم لا يعني بالضرورة الحسم العسكري؛ فالأرخص دائماً هو الحسم السياسي المستدام. لكن الاقتصاد يكره المنطقة الرمادية. يكره أن يبقى بين سلام مشكوك فيه، وحرب لا تنتهي، وهدنة هشة. في هذه المساحة تحديداً تولد الكلفة الحقيقية: كلفة عدم اليقين.
وفي هذا التعقيد يبرز دور الغاز، الذي لا يملك بديلاً عملياً سريعاً خارج هرمز، بوصفه لاعباً حساساً في هذه الأزمة. فالعالم يعيد تموضعه، والتحالفات السياسية والاقتصادية تتشكل من جديد، والطلب على الكهرباء يتسارع مع الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الضغط على كهرباء آسيا، وصناعة أوروبا، وأسعار التدفئة، وكلفة الإنتاج، وسلاسل الإمداد.
من هنا يصبح هرمز بوابة لفهم العالم الجديد: عالم انتقل فيه ملف الطاقة من كونه ملفاً اقتصادياً إلى ملف أمن قومي وصناعة وغذاء وتكنولوجيا وتوازنات قوى كبرى.
ولا يمكن فصل ذلك عن الصراع الأوسع مع الصين. قد لا تقول الولايات المتحدة صراحة إن أحد أهدافها الاستراتيجية في إدارة أزمة هرمز هو إرسال رسالة إلى بكين، لكن قراءة المصالح لا تحتاج دائماً إلى بيانات رسمية. وهذا البعد لا يقل أهمية عن البعد الإيراني. فالصين تفكر في الطاقة كما تفكر في تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، وخطوط الإمداد، وسلاسل الرقائق، والطاقة المتجددة، والقدرة على الصمود إذا دخل العالم في مواجهة طويلة. وموقف الصين الهادئ نسبياً تعززه مخزونات مريحة وريادتها في الطاقة المتجددة وسيارات الكهرباء، بعد ضربات قوية وسلسلة قرارات رافقت عودة الرئيس ترامب.
ولا ننسى موسكو، التي تلتقط أنفاسها مالياً مع ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وتحرص على استدامة المكاسب عبر استمرار أزمة هرمز، بطرق تظهر أحياناً وتبقى خفية في أحيان كثيرة. لذلك تركز كييف حربها أخيراً على قطاع الطاقة الروسي.
نحن إذن أمام خريطة واحدة لا ملفات منفصلة: هرمز في الخليج، أوكرانيا في أوروبا، تايوان في شرق آسيا، والناتو في الغرب. كل ملف يبدو مختلفاً في الجغرافيا، لكنه يتشابه في الجوهر: عالم ينتقل من اقتصاد العولمة السلسة إلى اقتصاد المخاطر المفتوحة؛ من وفرة الممرات إلى السيطرة على الممرات؛ ومن التجارة بوصفها جسراً إلى التجارة بوصفها نقطة ضغط.
وهذا ما يجعل الحالة الإيرانية أكثر تعقيداً. فإيران ليست دولة سهلة الحسم، لا جغرافياً ولا سياسياً ولا نفسياً. هي دولة كبيرة، لديها خبرة طويلة في العقوبات، وشبكات التفاف، واقتصاد تعلّم العيش تحت الضغط، ونظام سياسي قادر على ضبط الداخل في زمن الحرب أكثر مما تستطيع أنظمة كثيرة. الشعب يتألم، والاقتصاد يتضرر، لكن الضغط لا يتحول بالضرورة إلى قرار سريع. في الدول الشمولية أو شديدة المركزية، لا تكون كلفة الشارع أثناء الحرب كافية دائماً لتغيير السلوك السياسي بالسرعة التي تتوقعها الأسواق.
لهذا أرى أن الاقتصاد العالمي لا يخاف فقط من عودة الحرب، وخوفه الحقيقي أكثر من حرب لا يستطيع أحد حسمها. حرب يراهن فيها كل طرف على إنهاك الآخر، ولا تضمن أمناً مستداماً للمنطقة، ولا مروراً طبيعياً من دون إعاقة أو رسوم في مضيق هرمز.
ودول الخليج، بوصفها مركزاً عالمياً للمال والاستثمار والطيران والسياحة والموانئ والمشاريع الكبرى، هي الأكثر حساسية تجاه هذا الغموض. فأي ضبابية طويلة حول أمن المنطقة تضغط على صورتها كمركز آمن لرأس المال العالمي. المستثمر يسأل عن الاستدامة قبل العائد. وشركات التأمين والشحن تسأل عن المخاطر قبل المسافة. والسوق يسأل عن وقت التسليم والقدرة على التوصيل قبل حجم الإنتاج.
الخلاصة أن هرمز لم يعد أزمة نفطية منفصلة في عالم أصبح عنوانه عدم اليقين. فإذا حُسمت الأزمة سياسياً بضمانات واضحة لأمن الملاحة وتدفق الطاقة، فقد تبدأ المنطقة والأسواق بإعادة بناء الثقة. ولكن يبدو انها اذا حُسمت عسكرياً، ورغم الكلفة العالية والمؤلمة، لكن العالم قد يدخل بعدها في حسابات أوضح. أما السيناريو الأخطر فهو أن تبقى الحرب معلقة: لا سلام حقيقي، ولا حرب كاملة، ولا سوق قادرة على الاطمئنان، ولا منطقة قادرة على استعادة اليقين.
في هذا السيناريو يدفع العالم كلفة مزدوجة: كلفة الأسعار، وكلفة عدم اليقين. وهذه هي الكلفة الأخطر على الاقتصاد العالمي. وحين ينتقل الأثر إلى سعر الخبز، وكلفة الزراعة، وفاتورة الكهرباء، وقيمة العملة، وقدرة الحكومات على تهدئة الشارع، قد تتحول أزمة هرمز من أزمة طاقة عالمية إلى أزمة معيشية في دول كثيرة، وربما تمتد إلى توترات اجتماعية واضطرابات سياسية وعواقب لا يمكن ضبطها بسهولة.


























