م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين يغيب الدليل... تتكاثر الأسئلة
نبأ الأردن -
قراءة في فلسفة التفتيش بين هيبة الدولة وهيبة الحقيقة
لعله من المفيد أن نفهم أنه لا تُقاس هيبة المؤسسات بقدرتها على إصدار القرارات، وإنما بقدرتها على إقناع المجتمع بأن تلك القرارات وُلدت من رحم الحقيقة، لا من ظلال السلطة. فالقوة التي لا تستند إلى دليل قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع الثقة، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة رقابية.
إن التفتيش، في جوهره، ليس عملية بحث عن المخالفات، بل عملية بحث عن الحقيقة. والحقيقة لا تُعلن بالأرقام المجردة، ولا تُختزل في عبارات عامة، وإنما تُبنى حجراً فوق حجر من الأدلة الموضوعية، والوقائع الموثقة، والاستنتاجات التي يمكن لأي خبير مستقل أن يعيد فحصها فيصل إلى النتيجة ذاتها.
ولهذا جاءت المواصفة الدولية ISO/IEC 17020 لتضع قاعدة ذهبية: المفتش لا يكتب قناعته، بل يكتب ما يستطيع إثباته. فالتقرير المهني ليس بياناً إعلامياً، ولا خطاباً دفاعياً، بل وثيقة فنية تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وتحترم حق المجتمع في المعرفة كما تحترم حق الجهة الخاضعة للتفتيش في العدالة.
وعندما يُعلن عن وجود عشرات المخالفات دون أن تُعرض تفاصيلها وأسانيدها الفنية، يبقى السؤال مشروعاً: هل تكفي الأرقام وحدها لبناء القناعة العامة؟ إن الأرقام تصف الكم، لكنها لا تفسر الكيف، ولا تكشف حجم الخطورة، ولا تبين لماذا استوجبت كل مخالفة الإجراء الذي اتُّخذ.
إن الشفافية لا تُضعف الدولة، بل تحصّنها. والدولة الواثقة من نزاهة إجراءاتها لا تخشى أن تجعل تقاريرها الفنية نموذجاً في الدقة والوضوح، لأن الدليل حين يكون كاملاً يصبح أقوى من أي جدل، وأبلغ من أي دفاع.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الروايات، لم يعد يكفي أن تكون المؤسسة محقة، بل ينبغي أن تكون قادرة على البرهنة. فالمعركة اليوم ليست بين الحقيقة والشائعة فحسب، بل بين الدليل والفراغ. وكل فراغ في المعلومة يملؤه التأويل، وكل غياب للتوثيق يفتح الباب للاجتهادات والشكوك.
إن فلسفة الرقابة الحديثة لا تقوم على مبدأ «ثقوا بنا»، وإنما على مبدأ «تحققوا بأنفسكم». وهذا هو الفارق بين الإدارة التقليدية والإدارة التي تتبنى ثقافة الجودة والحوكمة والمساءلة.
إن مستقبل العمل الرقابي لن يُقاس بعدد قرارات الإغلاق أو المخالفات، بل بمدى قدرة التقارير الفنية على الصمود أمام المراجعة المستقلة، وأمام القضاء، وأمام الرأي العام، وأمام التاريخ. فالتقرير الذي يستطيع أن يجيب عن كل سؤال، قبل أن يُطرح، هو التقرير الذي يحمي المؤسسة، ويصون حقوق الأفراد، ويمنح القانون هيبته الحقيقية.
فالسلطة قد تُنهي قضية بقرار، لكن الدليل وحده هو الذي يُنهي الجدل. وبين القرار والدليل، تُولد الثقة... أو تتسع مساحة الأسئلة.

























