عبدالله موسى الطراونة يكتب: أمام الكاميرا... هل يبقى الإنسان كما هو؟
نبأ الأردن -
منذ أن أصبحت الكاميرا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد مجرد وسيلة لتوثيق الوقائع أو نقل الأحداث، بل تحولت إلى عنصر فاعل في تشكيل السلوك الإنساني ذاته فوجود الكاميرا لا يغيّر ما يُسجَّل فقط، بل يغيّر أيضًا ما يُقال وكيف يُقال، وطريقة تصرف الأشخاص وهم يدركون أن هناك جمهورًا يراقبهم.
هذا التحول ليس انطباعًا عامًا أو ملاحظة عابرة، بل هو موضوع تناولته دراسات علم النفس الاجتماعي وعلوم الاتصال فالإنسان عندما يعلم أنه تحت المراقبة يميل بدرجات متفاوتة، إلى إعادة صياغة سلوكه بما ينسجم مع الصورة التي يرغب في ترسيخها لدى الآخرين. ويُفسَّر هذا السلوك من خلال مفهوم "إدارة الانطباع" إذ يصبح الفرد حريصًا على تقديم نسخة محسوبة من ذاته، تختلف في كثير من الأحيان عن سلوكه في المواقف الطبيعية البعيدة عن الأضواء.
ولعل أحد أهم أسباب هذا التحول أن الشخص عندما يقف أمام الكاميرا، لا يخاطب جمهورًا واحدًا، بل جماهير متعددة في الوقت نفسه ففي لحظة الظهور تتزاحم في ذهنه رسائل يريد إيصالها إلى أفراد أسرته وأقاربه، وأصدقائه، وزملائه، ورؤسائه، وربما حتى خصومه، فضلًا عن الجمهور الواسع الذي يتابع المشهد ولكل واحدة من هذه الدوائر توقعاتها وأحكامها، فيسعى المتحدث إلى التأثير فيها جميعًا في آن واحد، وهو ما يجعله يختار كلماته بعناية، ويضبط انفعالاته، ويرسم الصورة التي يريد أن تبقى في أذهانهم.
ولهذا، فإن المشهد الذي تصنعه الكاميرا ليس دائمًا نسخة مطابقة للواقع، وإنما واقع أعيد تشكيله بفعل إدراك المشاركين أنهم أمام جمهور واسع تتغير نبرة الصوت وتُنتقى الكلمات بعناية وتصبح الإيماءات أكثر حضورًا، وقد ترتفع حدة الانفعال أحيانًا أو تتراجع أحيانًا أخرى، وفقًا لما يعتقد الشخص أنه الأنسب لتلك اللحظة.
ويتضح هذا التأثير بجلاء في المشهد السياسي والإعلامي فالقيادي الذي يخاطب الجمهور عبر الشاشة، والمسؤول الذي يواجه سؤالًا مباشرًا، وحتى الضيف في مقابلة تلفزيونية، جميعهم يدركون أن كل كلمة وكل حركة محسوبة لذلك يتحول الخطاب من حوار إلى رسالة، ومن تلقائية إلى أداء ولا يعني ذلك بالضرورة التزييف، بل يعني أن الوعي بوجود الكاميرا يفرض رقابة ذاتية تجعل الإنسان يختار "أفضل نسخة" من نفسه لعرضها.
أما في الحياة اليومية، فقد ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي من هذا التأثير فقد جعل الهاتف الذكي من كل إنسان مصورًا ومُصوَّرًا في الوقت نفسه، وأصبحت اللحظات العادية تُعاد صياغتها لتصبح قابلة للنشر والمشاركة نبتسم أكثر، ونختار الخلفية بعناية، ونعيد تصوير المقطع أكثر من مرة حتى نبدو بالصورة التي نرغب بها.
وهكذا، لم يعد السؤال ماذا حدث؟ بل أصبح كيف سيبدو ما حدث أمام الكاميرا؟
هنا تبرز المفارقة؛ فالكاميرا التي كان يُفترض أن تقرّبنا من الحقيقة، أصبحت أحيانًا سببًا في إعادة تشكيلها فالإنسان حين يراقب نفسه وهو يُراقَب، يفقد جزءًا من عفويته، ويتحول بدرجات متفاوتة، من فاعل إلى مؤدٍّ، حتى وإن لم يقصد ذلك.
ربما لا يمكن الهروب من الكاميرا في هذا العصر، لكن يمكن إدراك أثرها ، فوعينا بأننا أمام عدسة لا ينبغي أن يدفعنا إلى صناعة صورة تختلف عن حقيقتنا، بل إلى المحافظة على الاتساق بين ما نحن عليه وما نظهره للآخرين.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الكاميرا، هل نظهر كما نحن، أم كما نريد أن يرانا الآخرون؟


























