أ.د رشيد عبّاس يكتب: نحن أمة تأخر تفكيرها
نبأ الأردن -
في اللحظة التي نعترف فيها بأننا أمة تأخر تفكيرها, علينا أن نطرح مباشرة سؤال من نوع: أين تأخر تفكير الأمة؟ الإجابة عن هذا السؤال ليس من السهولة بمكان ويحتاج إلى تتبع وتسلسل تاريخي عميق كي نحصل على إجابة وافية وشافية.
واقع الحال يؤكد أن الأمة تأخرت, لكن ليس في الحجر والبناء وليس في حيثيات المال, ففي الأمة ناطحات سحاب شاهقة وموارد نفط عديدة وغاز نقي يوازي أو ربما أكثر من كثير من بعض الدول التي تجاوزت حدود التفكير العادي, وهذا يدعونا دون أدنى تردد إلى أن نبحث عن تلك الأسباب خارج الصندوق.
تشير الدراسات الاجتماعية أن هناك علاقة طردية بين (العقل النقدي) وطريقة تفكير المجتمع, فكلما زاد العقل النقدي لدى أفراد المجتمع, كلما زاد طريقة تفكير ذلك المجتمع, والعكس صحيح, وربما يعود ذلك إلى الخوف من الخطأ, وقلة التجربة, والخوف من كل ما هو الجديد, فباتت الأمة مستهلكة غير منتجة, وقلّ السؤال من نوع لماذا, وأصبحنا ننقل ونردد, وكثرت فينا عبارة قالوا لنا.
ثم, لم تغفل الدراسات الاجتماعية أيضاً عن أن هناك علاقة طردية بين (التعامل مع الزمن) وطريقة تفكير المجتمع, فكلما زادت قدرة المجتمع على التعامل مع الزمن, كلما زاد طريقة تفكير ذلك المجتمع, والعكس صحيح, وربما يعود ذلك إلى كوننا نعيش بطريقة ردة الفعل, ونشجب الازمات, ونبكي الحروب, ونقلق على الاحداث ثم بعد ذلك بفترة قصيرة نعود كما كنا عليه سابقاُ, تماماُ كما هو الحال في قصر ذاكرة السمكة, فواقع الحال يقول: العالم يخطط لعام 2050م , ونحن مازلنا للأسف الشديد نعالج مشاكل وتحديات عام 1990م.
نحن أمة تأخر تفكيرها..
انظر كم هو عجزنا في النقاش والحوار, انظر كم هو عجزنا في نفاوض, انظر كم هو عجزنا في النقد, انظر كم هو عجزنا في احترام الرأي الآخر, انظر كم هو عجزنا مهارات طرح الاسئلة, كل هذا العجز واضح في قاعات الندوات والاجتماعات والغرف الصفية وقاعات المحاضرات, واضح في مجالس النواب ومجالس الاعيان, واضح في ما نكتبه وما نقوم بالتعليق عليه في مواقع التواصل الاجتماعي.
التاريخ لا يعرف أمة ذكية وأخرى غبية على الإطلاق, فالأندلس مثلاُ كانت منارة للعلم عندما كان الغرب في ظلام دامس, وبغداد كانت بيت الحكمة عندما كان الآخرون غوغائيين, وبعد حين من الزمن ساد في الأمة تيار الاستبداد الفكري, والاستقرار الزائف, وتكسير القدوات.. فمن الطبيعي أن يتأخر تفكير الأمة عن تفكير باقي الشعوب والأمم, وتحصل هناك فجوات مادية ومعنوية يصعب ردمها أو التعامل معها.
الأمة لا تنهض بمعجزة تتلقاها الأرض من السماء فقد أنتهى عصر المعجزات بمعجزة خاتم الأنبياء, بل تنهض الأمة بقرار سليم وأراده حكيمة, فالطفل الذي يسأل كثيراُ علينا أن لا نُسكته وهذا هو بداية النهضة, ومع أن الدين ثابت, لكن علينا أن ندرك تماما أن إدارتنا للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قابلة للتطوير والتغيير والتحديث, وعلينا أن نبني الانسان/ البشر قبل بناء الحجر, كوريا الجنوبية لم يكن لديهم نفط أو غاز أو زيت صخري كان لديم إرادة وتعليم, وقفزوا عن جلد الذات, على العكس تماماً منا, فقد أصبح لدينا إدمان واضح المعالم في جلد الذات.. فالأصل الاعتراف بالمشكلة, ثم بعد ذلك البدء بحلها.
نعم, تأخرنا, ولكن "التأخر" ليس حكم إعدام نهائي علينا, فاليابان مثلاُ انهزمت عام 1945م وكانت رماد هامد, وبعد نحو 20 عام تقريباً أصبحت من أقوى ثلاثة اقتصاديات في العالم بسبب العقل النقدي أولاً, وجعلهم للوقت قيمة عالية ثانياً, والفرق بيننا وبينهم ليس في الذكاء, إنما فقط في العقل النقدي, وقيمة الوقت, ويبقى السؤال هنا: هل سنبقى نبكي على ما فات, أم نبدأ (نفكر) بطريقة نقدية.. ولعشرين سنة قادمة كي ننهض من جديد, ونشارك الاخرين في بناء الحضارة, وخلاف ذلك سنكون أول حالة من حالات الانقراض البشري على صفحات التاريخ لا قدّر الله.

























