د علي الطراونة يكتب: المتقاعد العسكري… حين يُهمَل حارس الوطن
نبأ الأردن -
هناك رجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات، بل بحجم التضحيات التي قدموها للوطن. رجال حملوا أرواحهم على أكفهم، ووقفوا على الثغور، وسهروا على أمن البلاد واستقرارها، وجعلوا من قسمهم العسكري عهدًا لا ينكسر، ومن شعارهم الخالد "الله… الوطن… الملك” منهج حياة لا يتبدل.
هؤلاء هم المتقاعدون العسكريون من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية؛ أبناء الأردن الأوفياء الذين أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة الوطن والعرش الهاشمي، ولم يترددوا يومًا في تلبية نداء الواجب، مؤمنين بأن شرف الجندية لا ينتهي بإحالتهم إلى التقاعد، بل يبقى وسامًا يرافقهم ما بقي فيهم نفس ينبض بحب الأردن وقيادته.
لقد كانوا رفقاء السلاح لجلالة الملك، وسيبقون الجند الأوفياء الذين لا تتزعزع ثقتهم بقيادتهم الهاشمية. ويعلم الجميع أن جلالة الملك لم يدخر جهدًا في التأكيد، في أكثر من مناسبة، على ضرورة رعاية المتقاعدين العسكريين وتأمين الحياة الكريمة لهم ولأسرهم، تقديرًا لما قدموه من تضحيات جسام في سبيل الوطن.
لكن المؤلم أن كثيرًا من هذه التوجيهات الملكية لم تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ. فبين الرؤية الملكية السامية والقرارات الحكومية فجوة لا تزال قائمة، يدفع ثمنها المتقاعد العسكري الذي ينتظر إنصافًا طال أمده.
المتقاعد العسكري لا يطلب ثروة، ولا يسعى إلى امتيازات فوق حقه، بل يطالب بحقوق تحفظ كرامته بعد سنوات طويلة من الخدمة. يطالب بأن يشعر أن وطنه لم ينسَ من حرس حدوده، وصان أمنه، وحمى مؤسساته، وقدم أجمل سنوات عمره دون تردد أو مساومة.
وفي المقابل، يرى أبناء هذا الوطن كيف تتسع الفجوة بين أصحاب الرواتب المحدودة، وبين من ورثوا النفوذ قبل أن يرثوا المسؤولية، ومن استغلوا مواقع آبائهم ومناصبهم، فتغولوا على مقدرات الدولة، واستأثروا بالفرص والامتيازات، بينما بقي أصحاب التضحية ينتظرون عدالة لا تزال مؤجلة.
وهنا تبرز قضية تستحق وقفة ضمير قبل أن تكون موضع قرار. فهل يُعقل أن المتقاعد العسكري، بعد وفاته، يتناقص راتبه التقاعدي بصورة كبيرة مع خروج الأبناء من دفتر العائلة أو زواجهم، حتى تجد الأسرة نفسها أمام واقع معيشي بالغ القسوة؟ أي رسالة نبعث بها لعائلات من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، إذا كان الأمان الذي صنعوه للآخرين لا ينعكس أمنًا اقتصاديًا على أسرهم؟
يا أصحاب القرار…
إن المتقاعدين العسكريين ليسوا عبئًا على خزينة الدولة، بل هم رصيدها الوطني، وذاكرتها الحية، وخط دفاعها الأول الذي لم يتردد يومًا في أداء الواجب. وإنصافهم ليس ترفًا سياسيًا، ولا استجابة لمطلب فئوي، بل واجب وطني وأخلاقي، ورسالة وفاء لمن كتبوا بعرقهم ودمائهم صفحات الأمن والاستقرار التي ينعم بها الجميع.
ولا يفهم من هذا الحديث انتقاص من مكانة أي فئة من أبناء الوطن؛ فكل الأردنيين يستحقون العدالة والعيش الكريم. لكن هناك فئات دفعت من أعمارها وصحتها واستقرار أسرها ثمنًا لبقاء الوطن قويًا وآمنًا، وفي مقدمتها المتقاعدون العسكريون، وهؤلاء يستحقون أن يكونوا في صدارة أولويات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.
يا أصحاب القرار…
لا تجعلوا المتقاعد العسكري يشعر بأن سنوات الوفاء انتهت عند آخر يوم في خدمته. لا تجعلوا من ضيق العيش سببًا في إحباط رجال لم يعرفوا يومًا إلا الصبر والانضباط والولاء. ترجموا التوجيهات الملكية إلى سياسات عادلة، وإلى تشريعات تحفظ الكرامة، وإلى قرارات تعيد الثقة بأن الدولة لا تنسى أبناءها المخلصين.
إن الحفاظ على المتقاعد العسكري هو حفاظ على منظومة القيم الوطنية، وعلى ثقافة التضحية، وعلى الإيمان بأن الدولة تكافئ من يخدمها بإخلاص. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعدل، والعدل يبدأ من إنصاف من قدموا للوطن أكثر مما أخذوا منه.
سيبقى المتقاعد العسكري، كما كان دائمًا، وفيًا لله، وللوطن، وللملك. وسيبقى قلبه معلقًا براية الأردن، مؤمنًا بقيادته، معتزًا بانتمائه. ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة من أصحاب القرار: متى يحين موعد الوفاء لمن كانوا عنوان الوفاء؟
تحياتي
د علي الطراونة

























