الدكتور قاسم الحموري يكتب : ميناء الماضونة البري... فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة الأردن اللوجستية
نبأ الأردن -
يمثل مشروع ميناء الماضونة البري أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها في تطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية في الأردن، لما يمكن أن يحققه من آثار اقتصادية إيجابية على المديين المتوسط والطويل. ومع اقتراب استكمال المشروع وبدء تشغيله، بالتزامن مع نقل المركز الجمركي إليه، تبرز فرصة حقيقية لتعزيز كفاءة حركة التجارة ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنشاء مرفق لوجستي جديد، بل تمتد إلى دوره في إعادة تنظيم حركة البضائع وتحسين كفاءة الإجراءات الجمركية، بما يسهم في تخفيض زمن المناولة ورفع كفاءة سلاسل الإمداد. كما يُتوقع أن يسهم المشروع في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ولا سيما في منطقة شرق عمّان، إلى جانب تنشيط القطاعات المرتبطة بالنقل والتخزين والخدمات اللوجستية.
وإذا ما أُحسن استثمار هذا المشروع، فإنه يمكن أن يعزز موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، وأن يرفع من قدرته على منافسة المراكز اللوجستية في المنطقة، مستفيدًا من موقع المملكة الجغرافي الذي يربط بين أسواق المشرق العربي ودول الخليج. كما يمكن أن يشكل منصة جاذبة للاستثمارات في مجالات الشحن والتخزين وإعادة التصدير والخدمات المساندة.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يعتمد على المشروع بحد ذاته، وإنما على مدى تكامله مع بقية عناصر منظومة النقل الوطنية. فنجاح ميناء الماضونة يرتبط بوجود روابط أفقية وعمودية مع مشاريع البنية التحتية الأخرى، وفي مقدمتها شبكة سكك حديدية وطنية وعابرة للحدود، إضافة إلى شبكة طرق حديثة وفعالة تربطه بمختلف محافظات المملكة والمعابر الحدودية. وعندها فقط يمكن أن يؤدي دوره كمركز لوجستي متكامل قادر على خدمة حركة التجارة المحلية والإقليمية بكفاءة عالية.
كما أن هذا التكامل من شأنه أن يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات نوعية في الأنشطة ذات القيمة المضافة، مثل التخزين المتقدم، وإعادة التصدير، وإجراء بعض العمليات الصناعية أو الخدمية على السلع قبل إعادة تصديرها، وهو ما يسهم في زيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني وتعزيز مساهمة قطاع الخدمات اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي المقابل، لا بد من الإقرار بأن المشروع قد يفرض في مراحله الأولى تحديات تشغيلية على بعض الشركات، خاصة إذا استدعى إعادة توجيه مسارات النقل أو تعديل أنماط العمل القائمة، الأمر الذي قد يرفع الكلف التشغيلية مؤقتًا. ومن هنا تبرز أهمية إدارة هذه المرحلة الانتقالية بكفاءة، بما يضمن تحقيق أهداف المشروع دون تحميل القطاع الخاص أعباءً قد تؤثر في تنافسيته.
إلى جانب ذلك، يظل نجاح المشروع مرتبطًا بالظروف الاقتصادية والإقليمية المحيطة. فالمشروعات اللوجستية الكبرى تعتمد في جدواها الاقتصادية على استقرار حركة التجارة الإقليمية واستدامتها، إذ إن أي اضطرابات جيوسياسية أو تراجع في حركة الترانزيت قد ينعكس سلبًا على حجم النشاط المتوقع، ويؤثر في قدرة المشروع على تحقيق العوائد الاقتصادية المأمولة مقارنة بحجم الاستثمارات التي أُنفقت عليه.
وفي المحصلة، فإن ميناء الماضونة البري يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الاقتصاد الأردني، لكنه لن يحقق كامل إمكاناته إلا إذا أصبح جزءًا من منظومة نقل ولوجستيات متكاملة، تقوم على الربط الفعال بين الميناء وشبكات السكك الحديدية والطرق والمراكز الجمركية، وتواكبها سياسات استثمارية وتشغيلية قادرة على استقطاب الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. وعندها سيكون المشروع رافعة حقيقية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة الأردن كمحور لوجستي إقليمي يخدم حركة التجارة في المنطقة.

























