أ. د أمجد الفاهوم يكتب: اللطف والحزم معادلة القيادة التي لا يتقنها إلا القليل
نبأ الأردن -
ليست أصعب القرارات الإدارية تلك المتعلقة بالميزانيات أو الخطط أو مؤشرات الأداء، بل القرار الذي يواجهه كل مدير في تعامله اليومي مع فريقه. كيف يكون قريبًا من الناس دون أن يتهاون في العمل، وكيف يحافظ على الانضباط دون أن يفقد احترام من يعملون معه. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للقيادة.
فالإدارة الناجحة لا تقوم على اللطف وحده، ولا على الحزم وحده، بل على القدرة على الجمع بينهما في الوقت المناسب وبالقدر المناسب.
بعض المديرين يربطون حسن التعامل بالتغاضي عن الأخطاء. فيتجاوزون التأخير، ويتسامحون مع ضعف الأداء، ويؤجلون المواجهة مرة بعد أخرى حتى يصبح الاستثناء قاعدة، ويتحول التقصير إلى سلوك مألوف. ومع مرور الوقت لا تتراجع جودة العمل فحسب، بل يتسلل الإحباط إلى الموظفين المجتهدين الذين يرون أن التزامهم لم يعد يميزهم عن غيرهم.
عندها لا تكون المشكلة في الموظف المقصر وحده، وإنما في الرسالة التي تبعثها الإدارة إلى الجميع. فعندما تغيب المساءلة تفقد العدالة معناها، ويصبح الاجتهاد خيارًا لا قيمة له، لأن النتائج لم تعد مرتبطة بالأداء.
والأخطر من ذلك أن بعض المديرين يظنون أنهم يمارسون أعلى درجات الإنسانية، بينما هم في الحقيقة يؤجلون قرارًا كان ينبغي اتخاذه منذ البداية. فهم يتجنبون المواجهة لأنها صعبة، ويختارون الصمت لأنه أكثر راحة، ثم يمنحون هذا التردد اسمًا جميلًا. لكن الإدارة لا تقاس بحسن النوايا، وإنما بما تحققه من نتائج. وكل تقصير لا يعالج في وقته يتحول إلى عبء يتحمله الفريق بأكمله.
وفي المقابل، يقع آخرون في خطأ مختلف. فيعتقدون أن الحزم لا يتحقق إلا بالشدة، وأن الهيبة لا تفرض إلا برفع الصوت وكثرة التهديد. فيسود التوتر، ويتراجع الحوار، ويصبح الموظفون منشغلين بتجنب العقوبة أكثر من اهتمامهم بتحقيق النجاح.
قد يحقق هذا الأسلوب انضباطًا مؤقتًا، لكنه لا يبني مؤسسة قوية. فالخوف يدفع الموظف إلى تنفيذ المطلوب، لكنه لا يدفعه إلى الإبداع أو المبادرة أو تحمل المسؤولية. وعندما يغيب الشعور بالأمان، تتراجع الأفكار، ويصبح الصمت أكثر أمانًا من المحاولة.
القائد الحقيقي لا يحتاج إلى القسوة ليؤكد سلطته، كما لا يحتاج إلى التساهل ليبرهن على إنسانيته. فهو يعرف أن احترام الإنسان لا يتعارض مع محاسبته، وأن وضوح التوقعات جزء من الاحترام، وأن التغذية الراجعة الصادقة تساعد على التطور أكثر مما تسببه من انزعاج مؤقت.
ولهذا يميز المدير المحترف بين الخطأ العابر والسلوك المتكرر، وبين الموظف الذي يحتاج إلى دعم، والموظف الذي يحتاج إلى مساءلة. يمنح الفرصة عندما تستحق، لكنه لا يحولها إلى حق دائم، ويقدر الظروف الاستثنائية، لكنه لا يسمح بأن تصبح ذريعة مستمرة لضعف الأداء.
كما يدرك أن العدالة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، وإنما تعني أن يحصل كل فرد على ما يستحق وفق التزامه وإنجازه. فالمجتهد يحتاج إلى التقدير حتى يحافظ على عطائه، والمقصر يحتاج إلى مواجهة واضحة تمنحه فرصة للتصحيح قبل أن تتفاقم المشكلة.
وأجمل ما في القيادة أن الحزم والاحترام يمكن أن يجتمعا في الموقف نفسه. فمن الممكن رفض التقصير دون الإساءة إلى صاحبه، واتخاذ قرار حاسم دون إهانة أحد، والمطالبة بمعايير عالية مع المحافظة على الاحترام المتبادل. فالقوة الحقيقية لا تظهر في قسوة الكلمات، وإنما في وضوح القرار وعدالته وثبات تطبيقه.
ولهذا فإن الموظفين لا يتذكرون المدير الذي كان متساهلًا مع الجميع، ولا المدير الذي كان يخيف الجميع. ما يبقى في ذاكرتهم هو المدير الذي وثقوا بعدالته، وعرفوا أن الاجتهاد عنده مقدر، وأن التقصير يواجه بوضوح، وأن كرامة الإنسان تبقى محفوظة في جميع الأحوال.
الإدارة ليست محاولة لإرضاء الجميع، كما أنها ليست استعراضًا للسلطة. إنها مسؤولية تتطلب حكمة في التعامل، وعدالة في التقييم، وشجاعة في اتخاذ القرار.
إن قيمة المدير لا تُقاس بعدد القرارات التي يصدرها، ولا بحجم المرونة التي يبديها، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الإنسان والعمل. فمن ينجح في تحقيق هذا التوازن يبني فريقًا يثق بقيادته، ويؤمن بعدالتها، ويعمل بدافع القناعة والانتماء، لا بدافع الخوف.
فالرحمة لا تعني التهاون، والحزم لا يعني القسوة. والقيادة الحقيقية هي أن تعرف متى تستمع، ومتى توجه، ومتى تحاسب، وأن تمارس ذلك كله باحترام وعدالة. فهذا هو الميزان الذي يصون كرامة الإنسان، ويحافظ على جودة العمل، ويصنع مؤسسات يترسخ فيها التميز، ويستدام فيها الأداء، ويقودها النجاح نحو مزيد من الازدهار.


























