حسن علي الزوايده يكتب: مفارقات بين التنمية والتهميش: صوت الديسة الذي لا يجب تجاهله
نبأ الأردن -
حين نطرح قضايا أبناء منطقة الديسة، فإننا لا نتحدث من منطلق فردي أو رأي شخصي، بل ننقل صوت شريحة واسعة من الشباب الذين يحملون طموحاً مشروعاً بأن يكون لهم دور حقيقي في بناء مستقبل مناطقهم. هؤلاء الشباب لا يبحثون عن امتيازات، بل عن فرصة عادلة، وعن أذنٍ صاغية تستوعب مطالبهم وتتعامل معها بجدية ومسؤولية.
إن النظرة النمطية التي تُختزل فيها قدرات أبناء البادية، وتُصوَّر على أنهم غير قادرين على إنتاج أفكار تنموية أو المشاركة في صناعة القرار، هي نظرة مجحفة وتحمل في طياتها أبعاداً خطيرة. فهذه العقلية لا تُقصي أفراداً فحسب، بل تُقصي مناطق بأكملها من مسار التنمية الوطنية، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة والإنصاف.
نحن في البادية الجنوبية نؤمن إيماناً راسخاً بالقيادة الهاشمية، ليس من باب العاطفة، بل استناداً إلى تاريخ طويل من الارتباط القائم على الشرعية والدور التاريخي في توحيد الصفوف خلال مراحل مفصلية مرت بها المنطقة. فقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تنهض إلا حين تتوحد حول قيادة قادرة على تحقيق التوازن بين الاستقرار والتقدم.
وفي السياق ذاته، فإن الثقافة القبلية التي تشكل جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع، لم تكن يوماً عائقاً أمام التنمية، بل كانت عاملاً من عوامل الاستقرار، حيث رسّخت مفاهيم القيادة والانتماء، وأسهمت في بناء منظومة قيمية قائمة على التضامن والتكافل.
لكن المفارقة الحقيقية تظهر اليوم في اتساع الفجوة بين هذه القيم الراسخة وبين واقع الخدمات والتنمية في المناطق الطرفية. فالديسة، كغيرها من مناطق البادية، تعاني من نقص واضح في الفرص الاقتصادية، وضعف في البنية التحتية، وغياب للمشاريع التي تستثمر الإمكانيات المحلية وتحوّلها إلى قوة إنتاجية فاعلة.
إن الحديث عن تنمية شاملة يفقد معناه عندما لا ينعكس على أرض الواقع في هذه المناطق. فالتنمية ليست شعارات تُرفع، بل سياسات تُنفذ، وفرص تُخلق، وعدالة تُمارس. ولا يمكن القبول باستمرار نهج يُبقي بعض المناطق على هامش الاهتمام، بينما تُمنح مناطق أخرى الأولوية.
إن أبناء الديسة يمتلكون من الوعي والخبرة ما يؤهلهم لأن يكونوا شركاء حقيقيين في التنمية، لا متلقين سلبيين لها. لكن ما ينقصهم هو فتح المجال أمامهم، وتوفير الأدوات التي تمكّنهم من تحويل أفكارهم إلى مشاريع ملموسة.
إن التهميش، إن استمر، لا ينعكس فقط على الواقع الاقتصادي، بل يترك أثراً عميقاً في نفوس الشباب، ويخلق فجوة في الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهذا ما يتطلب وقفة جادة لإعادة تقييم السياسات التنموية، وضمان توزيع عادل للفرص والخدمات.
وفي النهاية، فإن بناء وطن قوي ومتماسك لا يتحقق إلا من خلال احتواء جميع أبنائه، وإشراكهم في رسم مستقبله. فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتنجح عندما يشعر كل فرد بأنه جزء من هذا الوطن، له فيه حق كما عليه واجب.
أما الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق، فلن يؤدي إلا إلى تكريس المفارقة بين ما نطمح إليه من تنمية، وما نعيشه من تهميش
























