اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الحياد الوظيفي: من الشعار إلى القانون الملزم

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الحياد الوظيفي: من الشعار إلى القانون الملزم
نبأ الأردن -
في خطوة تعكس توجهاً حكومياً جاداً نحو تعزيز النزاهة والشفافية في القطاع العام، أقر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور جعفر حسان مشروع نظام مستقل يهدف إلى تحويل مبدأ الحياد الوظيفي من مجرد شعار أخلاقي إلى منظومة تشريعية ملزمة. هذا القرار؛ الذي يشمل الوزراء وكل موظف في القطاع العام؛ يمثل نقلة نوعية في إدارة الشأن العام، خاصة مع منحه صفة الاستعجال، ما يؤكد على أولوية ملف تضارب المصالح وعدم قابليته للتسويف.
لا يكتفي هذا المشروع بمراجعة التشريعات القائمة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بترجمة مفهوم النزاهة إلى آليات تنفيذية محددة. فهو يمنح الدوائر الرقابية ودوائر العطاءات مكنة قانونية صريحة للتحرك، بدلاً من الاعتماد على الاجتهاد أو المذكرات الداخلية. كما يضع قواعد ملزمة تحكم علاقة الوزراء بالجهات المتعاقدة مع الحكومة، مما يسد الباب أمام أي تضارب بين الصفة الرسمية والمصلحة الخاصة في المشاريع والمناقصات.
ومن النقاط الدقيقة التي يتناولها المشروع، والتي غالباً ما تُهمل في التشريعات المقارنة، هي الضوابط على استخدام المعلومات الوظيفية، حيث لا يقتصر الضرر على الفعل المباشر، بل يمتد ليشمل توظيف المعرفة المسبقة التي يحصل عليها المسؤول بحكم موقعه لتحقيق أثر لاحق له أو لدائرة القربى المحيطة به.
ما يميز هذا النظام أيضاً هو استناده إلى أحكام دستورية قائمة أصلاً، مثل منع الوزير من شراء أو استئجار أملاك الدولة حتى في المزاد العلني، ومنعه من الجمع بين الوزارة وعضوية مجالس إدارة الشركات أو ممارسة العمل التجاري أو تقاضي راتب من شركة. هذا الاستحضار يمنح المشروع قوة دستورية رادعة، ويؤكد أنه ليس نظاماً عابراً، بل تفعيل لنص أعلى في الهرم القانوني. كما يكشف أن المشكلة لم تكن في فراغ تشريعي بقدر ما كانت في ضعف آليات التطبيق والمراقبة، حيث أن النص الدستوري موجود منذ عقود، والمطلوب اليوم هو أدوات تنفيذية تُلزم به عملياً.
ومع أهمية هذه الخطوة، تبرز تحديات حقيقية تتطلب معالجة دقيقة لضمان نجاح النظام. أولاً: آلية الإفصاح والتحقق، حيث يجب أن يُصاحب أي نظام لمنع تضارب المصالح إجراء واضح لإفصاح الوزراء عن أصولهم ومصالحهم التجارية وأصول أقربائهم قبل توليهم المنصب وأثناءه، مع وجود جهة مستقلة قادرة على التحقق من هذا الإفصاح.
ثانياً: تعريف القريب: إذ تحتاج النصوص التي تشمل أقرباء الوزير إلى تعريف دقيق لدائرة القرابة لتحديد مدى جدية النظام.
ثالثاً: الإنفاذ لا التشريع، فالاختبار الحقيقي للنظام سيكون في أول حالة تطبيق فعلية يُحاسَب فيها مسؤول بناءً عليه، وليس في لحظة إصداره.
رابعاً: شمول الموظف العام لا الوزير فقط، حيث يتطلب نجاح هذا المسار اتساقاً بين معايير النزاهة في قمة الهرم الإداري وقاعدته، بحيث لا يتحول الأمر إلى معيار مزدوج.
يأتي هذا القرار في سياق سياسي أوسع، حيث تربط الحكومة بين الحياد الوظيفي والحوكمة والشفافية، ما يضعها أمام معيار قياس واضح أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية. وهذا يحمل الحكومة مسؤولية إثبات أن هذا التوجه ليس استجابة لحظية لضغط إعلامي، بل خطوة ضمن مسار إصلاحي متكامل يشمل قوانين الذمة المالية وحق الحصول على المعلومة ومنظومة مكافحة الفساد ككل.
ختاما، يمثل هذا القرار خطوة تشريعية ذات دلالة، لكن قيمته الحقيقية ستُقاس بمدى صرامة التفاصيل التنفيذية التي سيتضمنها النظام النهائي، وبمدى استقلالية الجهات المكلّفة بتطبيقه ومراقبته لاحقاً.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions