د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب : بين حل اللجنة الإدارية وحل الشعب والقضية
نبأ الأردن -
منذ بداية الحرب على قطاع غزة لم يعد النقاش يدور حول وقف إطلاق النار فقط، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بشكل القطاع في اليوم التالي للحرب. ولهذا فإن الحديث المتزايد عن حل اللجنة الإدارية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء تنظيمي داخلي، بل باعتباره جزءاً من مسار سياسي أوسع تحاول من خلاله مختلف الأطراف إعادة رسم معادلة الحكم في غزة بما يتناسب مع التحولات التي فرضتها الحرب.
صحيح أن الإعلان عن حل اللجنة إذا تم سيُعد مؤشراً على حجم الضغوط السياسية التي تواجهها حركة حماس، لكنه في الوقت ذاته لا يمثل حلاً للأزمة القائمة. فالمشكلة الأساسية لم تكن يوماً في وجود لجنة إدارية أو غيابها، وإنما في طبيعة النظام الذي يحكم القطاع، وفي العلاقة بين السلطة المدنية والقرار الأمني والعسكري، وهي القضية التي ظلت محوراً رئيسياً في جميع النقاشات التي قادها الوسطاء خلال الأشهر الماضية.
ولهذا فإن أي خطوة تقتصر على إعادة ترتيب الهياكل الإدارية، مع بقاء معادلة السلطة على حالها، ستُقرأ إقليمياً ودولياً باعتبارها تعديلاً في الشكل لا تحولاً في الجوهر. فالمجتمع الدولي والدول المعنية بتمويل إعادة الإعمار، لا تنظر إلى القضية من زاوية أسماء المؤسسات، وإنما من زاوية قدرة أي منظومة حكم جديدة على توفير بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً تسمح بإطلاق مشاريع الإعمار، وضمان استمرارها، ومنع العودة إلى دورة جديدة من الصراع.
وإذا كانت الحروب السابقة قد انتهت غالباً بالعودة إلى قواعد الاشتباك ذاتها، فإن الحرب الحالية تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فحجم الدمار غير المسبوق، والكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، وحجم التدخل الدولي والإقليمي، كلها عوامل جعلت من الصعب القبول بإعادة إنتاج المشهد السابق كما هو. ولذلك فإن النقاش لم يعد يدور حول كيفية تثبيت سلطة قائمة، بل حول كيفية بناء نموذج جديد لإدارة غزة، ينسجم مع التفاهمات السياسية والأمنية التي تسعى الأطراف الراعية إلى بلورتها.
وهنا تحديداً تبدو حركة حماس أمام أكثر مراحلها تعقيداً منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007. ففي الماضي كانت الحركة تفاوض وهي تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة، وكانت تسعى إلى انتزاع اعتراف ضمني باستمرار إدارتها للقطاع، أما اليوم فإن الضغوط لم تعد تتركز على سلوك الحكومة أو أداء المؤسسات، بل أصبحت تمس بنية الحكم نفسها، وطبيعة العلاقة بين الإدارة المدنية والقرار العسكري، ودور الحركة في المرحلة المقبلة.
ولا يبدو أن الوسطاء ينظرون إلى مسألة إعادة الإعمار باعتبارها ملفاً منفصلاً عن مستقبل الحكم. فالمؤشرات المتراكمة خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن الأموال المخصصة للإعمار، وبرامج التعافي المبكر، والانخراط الدولي في إعادة بناء القطاع، ستكون مرتبطة إلى حد كبير بوجود إدارة تحظى بدرجة من القبول الإقليمي والدولي، وقادرة على إدارة الموارد والمؤسسات ضمن إطار سياسي وأمني أكثر استقراراً. وهذا الربط يجعل من ملف الحكم أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة، وليس مجرد تفصيل يمكن تجاوزه.
في المقابل تبدو الفصائل الفلسطينية أيضاً أمام استحقاق سياسي لا يقل أهمية. فالمشهد الإقليمي يشهد تغيرات متسارعة، والقوى الدولية تبدو أكثر ميلاً إلى فرض تصوراتها بشأن مستقبل غزة، الأمر الذي يعني أن الاكتفاء برفض المبادرات، دون تقديم بدائل واقعية، قد يؤدي إلى تراجع القدرة الفلسطينية على التأثير في صياغة الترتيبات القادمة. فالسياسة لا تُدار فقط برفض الخيارات المطروحة، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاج خيارات بديلة تحظى بقدر من القبول والواقعية.
أما المواطن الفلسطيني، فقد تجاوز منذ زمن النقاش حول أسماء اللجان والهياكل الإدارية. فبعد أشهر طويلة من الحرب والدمار والنزوح، أصبحت أولوياته أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: وقف الحرب بصورة نهائية، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الحياة إلى القطاع. ولذلك، فإن أي ترتيبات سياسية لن تُقاس، بالنسبة للناس، بمدى تعقيدها أو شكلها القانوني، وإنما بقدرتها على إنهاء المعاناة اليومية وتحقيق قدر من الاستقرار.
يمكن القول إن حل اللجنة الإدارية، إذا أُعلن رسمياً، قد يكون بداية مسار جديد، لكنه لن يكون المعيار الحقيقي للحكم على نجاح هذا المسار. فالاختبار الفعلي سيكمن في مدى استعداد الأطراف المختلفة للانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى معالجة أسباب الأزمة البنيوية التي حكمت قطاع غزة طوال السنوات الماضية. .
إن السؤال الذي سيحدد مستقبل غزة لم يعد يتعلق بحل لجنة أو تشكيل أخرى، بل بما إذا كانت الحرب قد فتحت فعلاً الباب أمام انتقال سياسي حقيقي يعيد صياغة قواعد الحكم والإدارة، أم أنها ستنتهي كما انتهت محطات سابقة، بمحاولات لإعادة إنتاج الواقع ذاته تحت مسميات مختلفة. وحتى الآن لا تبدو الإجابة محسومة، لأن مستقبل القطاع ستحدده الوقائع التي ستتشكل على الأرض، حيث تُختبر النوايا بالفعل، وتُقاس جدية التحولات بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الفلسطينيين ومستقبل قضيتهم.


























