اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

إحسان الفقيه يكتب: هل هو أسير حرب يا عزيزتي؟!

إحسان الفقيه يكتب: هل هو أسير حرب يا عزيزتي؟!
نبأ الأردن -
بعض الزوجات - مع كامل الاحترام - يتصرفن وكأن عقد الزواج ليس عقد مودة ورحمة، بل عقد إقامة جبرية....!

تريده أن يكون تحت نظرها أربعا وعشرين ساعة.
إذا خرج مع أصدقائه، بدأت الشكوك...
إذا سافر لعمله، بدأت الاتهامات....
إذا أغلق هاتفه ساعة، بدأت سيناريوهات الخيانة....

لقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تعريف الحب... ولكن بطريقة لم يعرفها التاريخ، ولا علم النفس، ولا حتى الروايات الرومانسية....

فالحب - على مقاس الإنستجرام والتيك توك على زماننا هذا والذي يفيض بالمقاطع المصنوعة بعناية أمام الكاميرات - أصبح يعني أن يكون الزوج مُتاحا طوال الوقت، حاضرا طوال الوقت، متفاعلًا طوال الوقت، وكأن حياته توقفت لحظة عقد القران !

ومن المحرمات في هذا العالم الافتراضي أن يرى الزوج رسالة "واتساب" منها - والتي لا تختلف عن الرسالة التي وصلته منها قبل نصف ساعة - ولا يرد فورا...

أما إذا ظهر "أونلاين" في تلك اللحظة، فهذه ليست مجرد مصيبة... بل تُفتح بعدها محكمة تحقيق كاملة، ويبدأ الادعاء العام في جمع الأدلة، ويُستدعى سجل آخر ظهور، وصورة الملف الشخصي، وعدد دقائق الاختفاء، وكأننا أمام قضية أمن دولة لا أمام زوج خرج ليعيش ساعة من يومه المليء بتفاصيل السعي وطلب الرزق ....

أما إذا جلس وحده يقرأ كتابا، أو يفكر، أو يمارس رياضة، أو يلتقي صديقا، أو انشغل بعمله... فسيتم الحكم الجازم بأنه تغيّر، وبأن هنالك برود وفتور وبأن رصيد الحب قد تراجع، بل ومن المُرجّح أن هنالك امرأة أخرى تسللت ذات مشوار لم تتم فيه المتابعة كما يجب !

وهكذا تحوّل الحب، في نظر كثيرين، من علاقة تمنح الإنسان الطمأنينة... إلى نظام مراقبة يعمل طيلة ساعات اليوم على مدار أيام الأسبوع كله.

والمفارقة أن كثيرا من هذه الصور التي تُقدَّم على وسائل التواصل بوصفها "الحياة الزوجية المثالية" ليست بالضرورة انعكاسًا للحياة اليومية، بل لقطات منتقاة صُممت لتجذب المشاهدات...
فالكاميرا لا تنقل الحياة كلها، بل تختار منها ما يصلح للنشر، ثم يظن المتابع أن ما يراه هو الواقع الكامل.

ومن هنا تبدأ المأساة... حين تُقاس الزيجات الحقيقية بمقاطع لا تتجاوز ثلاثين ثانية.
وكأن الرجل لم يعد إنسانا له عالمه، بل أصبح جهاز تتبُّع عاطفي ينبغي أن يبث إشاراته كل عشر دقائق حتى تطمئن غرفة المراقبة.

هل تزوجتِ رجلا ... أم أسيرا يا طيبة ؟!!

لو كان معنى الزواج أن يصبح الرجل مُلازما لزوجته أغلب الوقت، وأن يجيب عن كل رسالة فور وصولها، وأن يقدم تقريرا عن كل ساعة غاب فيها، لما قامت حضارة واحدة في التاريخ....
فمن الذي فتح البلاد؟
ومن الذي قطع الصحارى والبحار في التجارة؟
ومن الذي رابط على الثغور؟
ومن الذي أفنى عمره في طلب العلم وتأليف الكتب وبناء الدول؟

لقد كان عبد الرحمن بن عوف تاجرا يضرب في الأرض، وكان عثمان بن عفان من كبار التجار، وكان خالد بن الوليد يقود الجيوش في الثغور، وبُعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وسافر الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا للدعوة والجهاد وطلب الرزق، وكان فيهم من تزوج امرأة، ومن تزوج اثنتين وثلاثا وأربعا، ومع ذلك لم يُنقل أن الزواج كان يعني إلغاء رسالة الرجل في الحياة أو تحويله إلى أسير مراقبة دائمة....

بل إن النبي ﷺ، وهو خير الأزواج، كان يقود الدولة، ويقضي بين الناس، ويستقبل الوفود، ويخرج في الغزوات، ويعتكف في المسجد، ويخالط أصحابه، ولم يكن حُسن العشرة يوما مرادفًا لإلغاء مسؤولياته الكبرى....

وحتى اليوم، لا يمكن أن تتخيل أن قائد دولة، أو عالما، أو طبيبا يجري العمليات، أو رجل أعمال يدير آلاف الموظفين، أو صاحب مشروع يبني شركة، يستطيع أن ينجز شيئا إذا كانت حياته مرهونة بتفسير كل دقيقة غياب، والرد على كل رسالة خلال ثوانٍ، وإثبات براءته كلما ظهر "أونلاين" ولم يرد !!

إن هذه الثقافة ليست من الدين، ولا من التاريخ، ولا من علم النفس؛ إنها ثقافة صنعتها بعض منصات التواصل، حتى أوهمت الناس أن الحب يُقاس بسرعة الرد، وعدد ساعات الجلوس معا، بينما الحقيقة أن الحب يُقاس بالثقة، والوفاء، وحسن العشرة، وأن الإنسان الذي لا يُمنح مساحة ليؤدي رسالته، لن يبقى شريكا سعيدا، بل سجينا يحاول الهرب من سجنه ولو كانت جدرانه من ذهب.
==

إحسان الفقيه
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions