د.حسن الدعجه يكتب: إربد تجمع الأردنيين... وخليفات يجدد رسالة الوطن
نبأ الأردن -
لم يعد نجاح أي مبادرة وطنية يقاس بعدد اللقاءات التي تعقدها، وإنما بقدرتها على الاستمرار، واتساع دائرة التفاعل معها، وتحولها إلى مساحة حوار تجمع الأردنيين حول القضايا الكبرى بعيداً عن الاستقطاب والانقسام. ومن هذه الزاوية، جاء اللقاء الحادي والأربعون لمبادرة معالي الدكتور عوض خليفات في محافظة إربد ليؤكد أن المبادرة تجاوزت مرحلة التأسيس، وأصبحت ظاهرة مجتمعية تستند إلى الحوار المباشر مع الناس، وتنتقل من محافظة إلى أخرى حاملةً خطاباً وطنياً يرتكز على الثوابت الأردنية.
ولعل اختيار محافظة إربد يحمل دلالة تتجاوز البعد الجغرافي؛ فهذه المحافظة كانت عبر تاريخ الدولة الأردنية مركزاً للحركة العلمية والثقافية والسياسية، وأسهم أبناؤها في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، كما شكلت رافداً أساسياً للنخب الوطنية في مختلف المجالات. وقد اكتسب هذا اللقاء بُعداً إضافياً باستضافة الأستاذ الدكتور خليفة أبو عاشور، الذي جسّد مع أبناء عشيرته وأهالي إربد أسمى معاني الكرم الأردني وحفاوة الاستقبال، في صورة تعكس أصالة المجتمع الأردني وقيمه الراسخة في إكرام الضيف وتعزيز أواصر المحبة.
كما نجح اللقاء في جمع شخصيات وقامات وطنية وعشائرية وأكاديمية وسياسية من مختلف أنحاء المملكة، من جنوبها وشمالها وشرقها وغربها، في مشهد يجسد وحدة الأردنيين والتفافهم حول الثوابت الوطنية. ومن هنا، فإن انتقال المبادرة إلى الشمال الأردني يعكس حرصها على الوصول إلى مختلف مكونات المجتمع، وترسيخ قناعة راسخة بأن الوحدة الوطنية لا تُبنى بالشعارات، بل بالحضور الميداني، والحوار المباشر، والتواصل المستمر بين أبناء الوطن الواحد.
ما يميز هذه المبادرة أنها لا تقدم نفسها بوصفها مشروعاً انتخابياً أو إطاراً تنظيمياً يبحث عن مكاسب سياسية، بل باعتبارها فكرة وطنية مفتوحة هدفها تعزيز الوعي العام في مرحلة تشهد المنطقة خلالها تحولات غير مسبوقة. فالأردن يقف اليوم في بيئة إقليمية معقدة، تتداخل فيها الأزمات الأمنية مع المتغيرات الجيوسياسية، الأمر الذي يجعل من تعزيز التماسك الداخلي أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي ملف خارجي.
ومن أبرز الرسائل التي حملها اللقاء التأكيد على أن الدفاع عن الدولة لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل يبدأ من وعي المواطن نفسه. فالمواطنة ليست مرتبطة بمنصب أو موقع، وإنما هي مسؤولية مستمرة، تتجسد في حماية الاستقرار، واحترام القانون، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، والوقوف خلف القيادة الهاشمية في مواجهة التحديات التي تستهدف الأردن ومحيطه.
كما أعاد اللقاء التأكيد على ثوابت السياسة الأردنية تجاه القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع التهجير والوطن البديل، وهي ثوابت لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الأردنية ومن الدور التاريخي الذي اضطلع به الأردن في الدفاع عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وفي جانب آخر، برزت أهمية المراجعة الذاتية التي تناولها الدكتور عوض خليفات عندما تحدث عن بعض السياسات الداخلية التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تقليص مساحة التفاعل بين أبناء المحافظات. وهذه القراءة لا تنطلق من منطق النقد من أجل النقد، وإنما من الرغبة في إعادة بناء الجسور الاجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع الأردني، بما يعزز الهوية الوطنية الاردنية ويحد من النزعات المناطقية والفرعية.
ومن النقاط اللافتة أيضاً رفض تحويل المبادرة إلى حزب سياسي، وهو موقف يعكس إدراكاً لطبيعة الدور الذي تسعى المبادرة إلى أدائه. فالأحزاب جزء أساسي من الحياة السياسية، لكن المبادرات المجتمعية تمتلك مساحة أوسع للحوار والتلاقي، لأنها لا ترتبط بالاستحقاقات الانتخابية أو المنافسة على السلطة، وإنما تركز على صناعة التوافق الوطني وبناء الثقة بين مكونات المجتمع.
كما حمل اللقاء رسالة مهمة تتعلق بأخلاقيات العمل العام، حين جرى التأكيد على أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن النقد المسؤول يجب أن يبقى ملتزماً بقيم الاحترام والموضوعية. وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وما تفرضه أحياناً من خطابات متشنجة، تبدو الدعوة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الهادئ ضرورة وطنية لحماية المجتمع من الانقسام.
إن استمرار المبادرة في عقد لقاءاتها الدورية، ووصولها إلى اللقاء الحادي والأربعين، يعكس وجود رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة من الأردنيين في المشاركة بحوار وطني يتناول هموم الدولة والمجتمع بعيداً عن الاصطفافات الضيقة. كما يؤكد أن المجتمع الأردني ما زال يمتلك طاقة كبيرة للتفاعل الإيجابي عندما تتوفر له المنابر التي تجمع ولا تفرق، وتبحث عن المشتركات أكثر من نقاط الخلاف.
إن قيمة هذا اللقاء لا تكمن فقط في الكلمات التي ألقيت، وإنما في الرسالة التي حملها؛ رسالة تؤكد أن قوة الأردن كانت وستبقى في وحدته الداخلية، وفي التلاحم بين قيادته وشعبه، وفي قدرة أبنائه على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز الدولة وترسيخ استقرارها. وعندما تظل الفكرة وفية لهذه الغاية، فإنها تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار والتأثير، لأن الأوطان تُبنى بالوعي، وتصان بالمسؤولية، ويصنع مستقبلها الحوار الصادق والإرادة الوطنية الجامعة.

























