اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء.. "حين اكتشفت البومة أن الطيبة ليست قانونًا في الغابة وان الأشجار تموت واقفة

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء.. حين اكتشفت البومة أن الطيبة ليست قانونًا في الغابة وان الأشجار تموت واقفة
نبأ الأردن -
لم تكن البومة العجوز تخشى أن يغزو الشيب ريشها أو أن يثقل الزمن جناحيها، فكل مخلوق يولد وهو يحمل موعده مع الشيخوخة ولا يملك أن يؤخره أو يعجله، ولكنها كانت تتألم لأنها اكتشفت متأخرة أن أجمل مواسم عمرها ضاعت وهي تؤمن بأن الغابة تحفظ الجميل وأن سكانها يردون المعروف بالمعروف ثم وجدت أن كثيرًا منهم كانوا يحفظون الطريق إلى الشجرة المثمرة أكثر مما يحفظون اسمها.

عاشت البومة سنواتها وهي تمسح دموع العصافير وتدل الغزلان على المراعي الآمنة، وتفتح جناحيها لكل من أنهكه الطريق حتى ظن الجميع أنها لا تعرف التعب وأن قلبها لا ينكسر، وكانت كلما عادت إلى عشها في آخر النهار تخفي أوجاعها خلف ابتسامة هادئة لأن الغابة اعتادت أن ترى فيها ملجأً للآخرين ولم يخطر ببال أحد أن الملجأ نفسه قد يحتاج يومًا إلى مأوى.

ومرت الأعوام وأصبحت البومة مثل السنديانة الكبيرة التي يستظل بها الجميع دون أن يسألها أحد عن حال جذورها، وكان الثعلب يخطب كل صباح عن الوفاء بينما يسرق أعشاش الضعفاء كل مساء وكان الضبع يتحدث عن الرحمة بعد كل وليمة، أما الببغاوات فقد كانت تحفظ الخطب عن ظهر قلب وترددها بحماس حتى صدقت أن تكرار الكلمات يكفي لصناعة الفضائل.

وحين أبطأ جناحا البومة وأثقلها التعب بدأت الوجوه التي كانت تحيط بها تتوارى واحدة بعد أخرى، واكتشفت أن كثيرًا ممن ظنتهم أوفياء لم يكونوا يحبونها بل كانوا يحبون عطاياها وأنهم ما إن جف النبع حتى غادروا يبحثون عن نبع آخر، وهناك فقط فهمت أن بعض سكان الغابة لا يميزون بين القلب والشجرة لأنهم لا يرون في كليهما إلا ما يمكن اقتلاعه أو استثماره.

جلست البومة فوق جذع يابس تتأمل الغابة التي أفنت عمرها في خدمتها، وقالت إنني لا أندم لأنني صنعت خيرًا ولا لأنني مسحت دمعة عن وجه حزين ولكنني أندم لأنني تأخرت في معرفة أن الطيبة تحتاج إلى حكمة كما تحتاج الأشجار إلى المطر، فالخير الذي لا تحرسه البصيرة قد يتحول إلى باب يدخل منه الطامعون دون استئذان.

ومنذ ذلك اليوم لم تتحول البومة إلى ثعلب ولم تتعلم الضحك مع الضباع، لكنها تعلمت أن تمنح قلبها لمن يعرف قيمة القلوب وأن تترك للطامعين صدى أصواتهم لأن الأشجار التي تعطي بلا حدود تموت واقفة، والينابيع التي لا تعرف متى تتوقف عن الجريان تنتهي إلى أرض عطشى لا تشكرها ولا تتذكرها.

أما الغابة فما زالت حتى اليوم تمنح الثعالب أوسمة النزاهة وتكلف الضباع بإلقاء المواعظ عن الأخلاق، ثم ترفع أكفها عند الغروب داعية أن ينزل العدل من السماء بينما كانت البومة تبتسم في صمت لأنها أدركت أخيرًا أن السماء لا ترفض الدعاء وإنما ترفض أن يكون لسان الدعاء أطول من ضمير أصحابه ولذلك بقيت كما كانت دائمًا... الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions