يحيى الحموري يكتب: المشهد المختطف
نبأ الأردن -
ليس كل من اعتلى المنابر ارتفع، ولا كل من ازدحم حوله الناس استحق الصدارة.
في كل زمن يخرج علينا سماسرة المشهد؛ أولئك الذين احترفوا صناعة الضجيج حتى ظنوا أن الصخب سلطان، وأن الظهور بطولة، وأن التصفيق المصنوع شهادة استحقاق.
تراهم يتبدلون كما يتبدل لون الحرباء، لا عقيدة تجمعهم، ولا مبدأَ يردعهم، ولا قيمة تقيم لهم ميزانا. وجوههم مع كل شمس، ومواقفهم مع كل ريح، ولغتهم مع كل صاحب نفوذ. إذا تحدثوا أكثروا، وإذا وعدوا بالغوا، وإذا ادعوا أدهشوا البسطاء، حتى يخال الناظر أنهم أعمدة الأوطان، وهم في الحقيقة عابرون على أرصفتها.
إنهم لا يبنون دولة، بل يستهلكون هيبتها، ولا يصنعون ثقة، بل يستنزفونها، حتى يغدو صاحب الكفاءة في آخر الصف، ويتقدم صاحب الضجيج إلى صدر الصورة.
لكن للتاريخ عدالة لا تخطئ، وللزمن غربالا لا يجامل. وما أكثر من ملأوا الدنيا صخبا، ثم طواهم النسيان كأنهم لم يكونوا، وبقي أصحاب المواقف وحدهم شواهد على أن الأوطان لا يحرسها المتسلقون، بل الرجال الذين إذا خلت الساحات من التصفيق، بقيت ضمائرهم واقفة في حراسة الحقيقة.
فلا يغتر أهل الضجيج بطول المشهد، فالفصل الأخير لا يكتبه الصراخ، بل يكتبه الصدق، ولا يخلد الأسماء بريقها العابر، وإنما تخلدها مواقفها حين تمتحنها الأيام.
يحيى الحموري


























