عماد داود يكتب: جعفر حسان.. افعلها الآن!
نبأ الأردن -
عشُّ الدبابير لا يُطرَق.
يُقتَحَم.
أو يظلّ معلقا فوق الرؤوس، يلسع كل من يقترب منه، بينما يتظاهر الجميع أنه مجرد ظل.
ما حدث خلال الأيام الماضية لم يكن خبرا عابرا عن وزير غادر موقعه، ولا عن عطاء أُلغي، ولا عن شركة انتهى عقدها، كان اختبارا نادرا لعلاقة الدولة بنفسها.
حين طلب رئيس الوزراء جعفر حسان استقالة وزير العمل على خلفية عطاء تقدمت له شركة يملكها نجله، ثم تزامن ذلك مع إنهاء وزارة الصحة عقد شركة أخرى تعود إلى النجل نفسه وشركائه، لم تعد القضية قضية شخص، لقد أصبحت سؤالا أكبر بكثير: هل نحن أمام معالجة واقعة، أم بداية مراجعة منهج؟
الفساد يُولد قبل أي توقيع، في اللحظة التي يقتنع فيها الناس أن أسماء بعينها فوق السؤال، وأن أبوابا بعينها لا تُطرق، وأن ملفات بعينها تُدفن حية لأنها تحمل أسماء أصحابها!
الأهمية الحقيقية لما جرى تُقاس بقدرته على قيادة مراجعة شاملة للبنية التي سمحت أصلا بتكرار مثل هذه الوقائع.
غادر الوزير، أُلغي العطاء، خسرت الشركة عقدها، تفاصيل تتساقط كأوراق عن شجرة واحدة، بينما جذعها، العش نفسه، يظل قائما في مكانه، ينتظر من يجرؤ على السؤال الأصعب: كيف بُني أصلا؟
منذ زمن قانون من أين لك هذا الذي جُمّد أكثر مما طُبق، ومن محاولات الاقتحام التي حملها رجال مثل أحمد عبيدات وليث شبيلات ودفعوا ثمنها وحدهم بينما بقي الملف مفتوحا.
فعلى امتداد سنوات نشأت خلايا موازية للوزارات تحت عناوين براقة تُعرف بالهيئات المستقلة، بلغت في وقت من الأوقات سبعا وخمسين هيئة، وتراجعت اليوم إلى ستّ وعشرين فقط بعد سنوات من الحديث عن الدمج، لكن فاتورتها السنوية ما زالت تقترب من مليار وستمئة مليون دينار، مقابل إيرادات لا تتجاوز نصف ذلك، وعجز يتكرر عاما بعد عام دون أن يُسأل أحد من يحاسب هذا الفائض من الخلايا.
ولجان التحقيق التي تُشكَّل عند كل أزمة تشبه خلية عمل تُفتح على عجل، تجتمع، تكتب تقريرها بعناية، ثم تُغلق على نفسها قبل أن يصل ذلك التقرير إلى من يملك فعلا قرار المحاسبة، وهذا نمط لا يخص الأردن وحده، فأغلب العواصم العربية تحتفظ بأرشيف كامل من لجان تحقيق مماثلة، فُتحت وأُغلقت دون أن تُغيّر شيئا.
فالمشكلة في الدول لا يصنعها شخص واحد، يصنعها اعتياد طويل على الاستثناء، سنوات تتكاثر فيها المصالح بصمت، وتتشابك فيها القرابة مع النفوذ، ويصبح تضارب المصالح منطقة رمادية لا يراها أحد، لأن الجميع اعتاد المرور بجانبها.
وهذا السؤال لا يخص الأردن وحده، فمن بغداد إلى بيروت إلى الجزائر إلى تونس، تتكرر المعادلة نفسها بصيغ مختلفة: مؤسسة تتقاطع فيها القرابة مع النفوذ، ورأي عام يكتشف الحقيقة متأخرا دائما، ودولة تُطالَب في كل مرة أن تثبت أنها أكبر من العائلة التي تديرها.
فلا فرق جوهريا بين عاصمة عربية وأخرى حين يقف القرار السياسي أمام اختبار كهذا، الفرق الوحيد هو من يملك الجرأة أن يحوّل اللحظة إلى سابقة، بدل أن يتركها تمر كخبر يوم واحد.
معركة النزاهة تتجاوز إقالة مسؤول واحد مهما علا موقعه، فحسمها الحقيقي يبدأ حين تملك المنظومة نفسها القدرة على كشف الخلل قبل أن تنشره الصحافة، وقبل أن يلتقطه الرأي العام، وقبل أن يتحول إلى أزمة ثقة.
لدينا من الأدوات ما يكفي.
سجلّات الشركات.
وبيانات المستفيد الحقيقي.
وقواعد البيانات الضريبية والمالية.
وسجلات العطاءات.
كلها قادرة، إذا تكاملت، على رسم خريطة المصالح كاملة، فيتحول تضارب المصالح من احتمال يُكتشف بالمصادفة إلى مخالفة تُمنع قبل أن تولد، في أي بلد عربي طبّقها بجدية لا في الأردن وحده.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
الشجاعة لحظة تُضيء ثم تخبو مع أول تغيير حكومة، وحدها القوانين والمؤسسات تبقى صامدة بعد أن يرحل من طبّقها، فتتحول الشجاعة العابرة إلى نظام لا يُلغى بتوقيع، ولا يُنسى بمرور الوقت!
لهذا، ما ينتظره الأردنيون اليوم، وما ينتظره كل مواطن عربي راقب المشهد من بعيد وتمنى لو تكرر في بلده، يتجاوز سقوط رأس واحد، إنه قيام قاعدة تصمد بعد رحيل كل الرؤوس.
قاعدة تُذكّر الجميع أن المنصب العام أمانة تُرد لا امتياز يُورث، وأن القرابة رابطة دم لا صك حصانة، وأن كل دينار عام يحمل اسم الدولة وحدها، مهما تعددت الأسماء التي مرت بجانبه!
عندها فقط، يصبح ما جرى نقطة تحول لا حادثة عابرة، وعندها فقط، يتحول اقتحام عش الدبابير من موقف شجاع إلى بداية ثقافة جديدة في إدارة الدولة، تصلح نموذجا يتجاوز حدود القطر الواحد.
تتبخر من ذاكرة التاريخ أسماء الوزراء، وأرقام العطاءات، وعناوين الشركات، كأنها لم تكن، ويبقى محفورا فيه شيء واحد فقط: اللحظة التي وقفت فيها دولة أمام مرآتها، فلم تُشِح بنظرها!
دولة الرئيس..
لقد فُتح الباب.
المجد السياسي لا يُكتب على الباب، إنما يُكتب في العمق، عند من دخل ولم يتراجع، حتى أطفأ آخر خلية في العش، وخرج ويداه ما زالتا تحملان رائحة الدخان!
فهل يُفتح العش بكل خلاياه، أم يبقى معلقا فوق الرؤوس يلسع كل من يقترب منه، بينما تدور الملفات داخله في صمت لا ينتهي؟ وهل تملك عاصمة عربية أخرى، حين يأتيها دورها، الجرأة نفسها؟


























