اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: حيادية الحكومة... عندما تتحول المعايير العالمية إلى ضمانة لثقة المواطنين

م. صلاح طه عبيدات يكتب: حيادية الحكومة... عندما تتحول المعايير العالمية إلى ضمانة لثقة المواطنين
نبأ الأردن -
لعل من المفيد أن ندرك أن في هذا الزمن أصبحت ثقة المواطن برأس المال الحقيقي للدول، فلم يعد نجاح الحكومات يقاس فقط بقدرتها على تقديم الخدمات أو تنفيذ المشاريع، بل بمدى نزاهة قراراتها، وحيادية مؤسساتها، وقدرتها على إقناع المواطن بأن المصلحة العامة هي البوصلة الوحيدة التي توجه السياسات والقرارات. فالثقة لا تُسن بقانون، ولا تُفرض بقرار، وإنما تُبنى عبر منظومة متكاملة من القيم والإجراءات والضمانات المؤسسية.
ومن هذا المنطلق، يجدر بالحكومة الأردنية أن تنظر باهتمام إلى المواصفة القياسية الدولية ISO 37009:2025 الخاصة بإدارة تضارب المصالح (Conflict of Interest)، والتي تمثل أحدث مرجع عالمي يقدم إرشادات عملية لمساعدة الحكومات والمؤسسات على حماية نزاهة القرار، وتعزيز الحيادية (Impartiality)، وترسيخ النزاهة (Integrity)، والشفافية (Transparency)، والمساءلة (Accountability).
وتؤكد هذه المواصفة أن تضارب المصالح ليس مرادفًا للفساد، ولا يعني بالضرورة وقوع مخالفة قانونية، وإنما هو حالة تنشأ عندما تتداخل المصالح الشخصية أو العائلية أو المالية أو السياسية مع المسؤولية العامة، بما قد يؤثر، أو يُعتقد أنه يؤثر، في استقلالية القرار وموضوعيته. ومن هنا فإن الإدارة الرشيدة لا تنتظر وقوع الفساد حتى تتحرك، بل تعمل على بناء أنظمة تمنع أسبابه منذ البداية.
وتشير مقدمة المواصفة إلى أن تضارب المصالح قد يضر بالأفراد والمنظمات والمجتمع، ويقوض الثقة، ويؤثر في جودة القرارات إذا لم يُدار بطريقة منهجية. ولهذا تقدم إطارًا واضحًا للتعرف على حالات التضارب، وتقييمها، ومعالجتها، ومراجعة فعالية الإجراءات المتخذة بصورة مستمرة، بما يعزز ثقة أصحاب المصلحة في نزاهة المؤسسة وعدالة قراراتها.
ومن الجوانب المهمة التي تميز هذا المعيار أنه لا يركز فقط على التضارب الفعلي (Actual Conflict of Interest)، بل يمتد أيضًا إلى التضارب الظاهري (Apparent Conflict of Interest)، الذي قد يثير الشكوك لدى المواطنين حتى وإن لم يقع انحياز حقيقي، وإلى التضارب المحتمل (Potential Conflict of Interest) الذي قد ينشأ مستقبلًا. وهذه النظرة الوقائية تعكس فلسفة الإدارة الحديثة التي تعتبر أن المحافظة على ثقة المجتمع لا تقل أهمية عن سلامة القرار نفسه.
إن تبني الحكومة لإطار وطني مستوحى من هذا المعيار الدولي لن يكون مجرد خطوة إدارية، بل سيكون رسالة سياسية تؤكد أن الدولة تؤمن بأن الحيادية ليست قيمة أخلاقية فحسب، وإنما نظام عمل مؤسسي يخضع لضوابط واضحة، وإجراءات معلنة، ورقابة مستمرة. كما أن وجود سياسات واضحة للإفصاح عن المصالح، وإدارة حالات التعارض، وحماية متخذ القرار من الضغوط، يسهم في ترسيخ العدالة، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
واليوم، ومع استمرار مسيرة التحديث السياسي والإداري في الأردن، تبرز فرصة حقيقية للاستفادة من هذا المعيار العالمي في تطوير التشريعات والسياسات والإجراءات المتعلقة بإدارة تضارب المصالح، بحيث تصبح الحيادية جزءًا أصيلًا من ثقافة العمل الحكومي، لا مجرد التزام قانوني أو توجيه إداري. فالحكومات الحديثة لا تبني الثقة بالتصريحات، بل تبنيها بالأنظمة التي تجعل العدالة والموضوعية والشفافية ممارسة يومية.
إن تبني مبادئ ISO 37009:2025 سيعزز مكانة الأردن بوصفه دولة تسعى إلى مواكبة أفضل الممارسات الدولية في الحوكمة الرشيدة، وسيبعث برسالة طمأنة للمواطن والمستثمر على حد سواء، بأن القرارات العامة تُتخذ وفق معايير موضوعية تحمي المصلحة العامة من أي تأثير غير مشروع.
ولعل من المناسب أن تتولى الحكومة إعداد سياسة وطنية شاملة لإدارة تضارب المصالح (Conflict of Interest)، مستلهمةً مبادئ هذه المواصفة، مع تطوير التشريعات ذات الصلة، وتدريب القيادات والموظفين، ونشر ثقافة الحيادية (Impartiality) في جميع مؤسسات الدولة، بحيث تصبح جزءًا من الهوية المؤسسية للإدارة العامة.
فالحيادية ليست رفاهية إدارية، ولا شعارًا يرفع في المناسبات، بل هي حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة. وكلما اقتربت الحكومات من المعايير العالمية في إدارة تضارب المصالح، ازدادت ثقة المواطنين بها، وتعززت شرعية قراراتها، وارتفعت قدرتها على تحقيق التنمية والاستقرار.
إن الاستفادة من ISO 37009:2025 ليست دعوة إلى استيراد نموذج خارجي، بل هي دعوة إلى توظيف أفضل الخبرات العالمية لخدمة المصلحة الوطنية. فالدول القوية هي التي تتعلم من التجارب الناجحة، وتطور مؤسساتها باستمرار، وتجعل من الحيادية والشفافية والمساءلة قواعد راسخة للحكم الرشيد، لأن الدولة التي تحمي قرارها من تضارب المصالح هي الدولة الأقدر على حماية مصالح شعبها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions