اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عطاالله الشرعة يكتب: إذا انتهت القصة عند البكار… فالمشكلة ما زالت قائمة

د. عطاالله الشرعة يكتب:   إذا انتهت القصة عند البكار… فالمشكلة ما زالت قائمة
نبأ الأردن -
ليست القضية وزيرًا استقال، ولا مسؤولًا غادر موقعه، ولا اسمًا تصدّر العناوين. القضية أكبر من ذلك بكثير.
القضية هي: هل نحن أمام بداية حقيقية لاستعادة هيبة الدولة، أم أمام مشهد جديد يُغلق به ملف، بينما تبقى بقية الملفات في الأدراج؟
الشعوب لا تستعيد ثقتها بإسقاط الأشخاص، بل بإسقاط ثقافة الإفلات من المحاسبة. فكم من مسؤول رحل، وكم من قضية أُثيرت، ثم خفتت الضجة، وعادت الأمور كما كانت، وكأن شيئًا لم يكن.
إذا كانت قضية الوزير البكار قد كشفت أن القانون قادر على الوصول إلى المسؤول، فهذا أمر يُحسب للدولة. أما إذا توقفت العدالة عند هذا الحد، فإن الرسالة ستكون معاكسة تمامًا، وسيعتقد الناس أن المطلوب كان امتصاص الغضب، لا معالجة الخلل.
الفساد لا يعيش في شخص واحد، ولا يولد بقرار فردي، ولا ينتهي باستقالة وزير. إنه منظومة من القرارات، والمصالح، والصمت، والحماية، والتقصير. ولذلك فإن مواجهة المنظومة تحتاج إلى شجاعة أكبر من مجرد تغيير الأشخاص؛ تحتاج إلى فتح كل الملفات، ومراجعة كل العطاءات المشكوك بها، وكل أوجه الإنفاق التي أثير حولها الجدل، وكل حالة تضارب مصالح، وكل من استغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة على حساب الوطن.
المواطن الأردني لم يعد يطلب المستحيل، ولم يعد يقتنع بالشعارات. ما يريده بسيط جدًا: أن يرى القانون يدخل كل الأبواب، لا بابًا واحدًا. وأن يرى المحاسبة تطال كل من أخطأ، لا من انتهت صلاحيته السياسية فقط.
والأخطر من الفساد نفسه، هو الانتقائية في مكافحته. فالعدالة التي تختار ملفاتها، تفقد هيبتها. والمحاسبة التي تتوقف عند حدود معينة، تتحول من وسيلة للإصلاح إلى أداة لإدارة الأزمات.
اليوم، تقع مسؤولية تاريخية على جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس النواب، الذي لا يجوز أن يكتفي بدور المتفرج أو المعلّق على الأحداث. فالرقابة ليست ترفًا سياسيًا، ولا رد فعل على ضغط الرأي العام، بل واجب دستوري مستمر، يبدأ بالسؤال، ويستمر بالتحقيق، وينتهي بكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب.
كما أن الجهات الرقابية والقضائية مطالبة بأن تمضي إلى النهاية، دون تردد، ودون النظر إلى اسم أو منصب أو نفوذ. فالدولة القوية لا تحمي المسؤول إذا أخطأ، وإنما تحمي القانون وهو يحاسب المسؤول.
وأقولها بوضوح: إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، فإن الفرصة اليوم تاريخية. افتحوا الملفات جميعها، بلا خطوط حمراء، وبلا أسماء محصنة، وبلا حسابات ضيقة. فمن كان أمينًا سيخرج مرفوع الرأس، ومن خان الأمانة فمكانه الطبيعي أمام العدالة.
لقد سئم الأردنيون من تكرار الوعود، ومن سماع العبارات ذاتها في كل أزمة. وما سيعيد الثقة ليس مؤتمرًا صحفيًا، ولا بيانًا رسميًا، ولا حملة إعلامية، بل مسؤول كبير يُحاسب، ومال عام يُسترد، وحقيقة تُعلن، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
هذه ليست معركة ضد أشخاص، بل معركة من أجل الدولة نفسها. فالدول لا تنهار بسبب قلة الإمكانات، وإنما عندما يشعر المواطن أن القانون لا يسري على الجميع.
اليوم، يقف الأردن أمام لحظة مفصلية. فإما أن تكون قضية البكار بداية عهد جديد تُفتح فيه جميع الملفات بلا خوف ولا انتقائية، وإما أن تتحول إلى عنوان عابر في دورة طويلة من النسيان.
أما نحن، فلن نملّ من المطالبة بالمحاسبة، لأن حماية المال العام ليست شعارًا سياسيًا، بل واجب وطني. ولأن الأردن الذي نريده هو دولة قانون لا دولة أشخاص، ودولة مؤسسات لا دولة استثناءات، ودولة يكون فيها المنصب مسؤولية لا حصانة، ويكون فيها القضاء هو الكلمة الأخيرة، لا النفوذ ولا العلاقات.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions