جهاد مساعدة يكتب: المساعدة يرد على الجحيشي… الأردن خط أحمر
نبأ الأردن -
لقد قلناها سابقا، ونقولها اليوم بلا مواربة: الإساءة إلى الأردن خط أحمر، ومن يقترب منه بالكذب أو التضليل لا يواجه رأيا برأي، بل يواجه حقيقة تعيده إلى حجمه الطبيعي. وقد رددنا من قبل على كل من ظن أن هذا الوطن ساحة مفتوحة للتهجم أو التجاوز، وكان الرد لاذعا بما يكفي ليعرف المتطاول أن للأردن ذاكرة، وأن للصمت حدودا، وأن الكرامة الوطنية ليست مادة للمساومة.
واليوم يطل علينا مؤيد الجحيشي ليعاود الكرة، محاولا أن يزج الأردن في رواية كاذبة لا علاقة له بها، وكأن اسم هذا الوطن يمكن أن يكون جدارا قصيرا يعلق عليه المتعجلون أوهامهم، أو ساحة يرمي فيها البعض ما عجز عن إثباته بالدليل.
ليست المشكلة أن يحمل المرء اسما يجر وراءه ظلا لغويا ثقيلا؛ فالأسماء، في أصلها، لا ذنب لها. المشكلة حين يركض صاحب الاسم خلف ظله حتى يلحق به، ثم يحول المفارقة إلى مشهد، والمشهد إلى فضيحة. والجحيشي، بما يجره اللفظ من قرب إلى الجحش، لم يظلم اسمه بقدر ما ظلمه تصريحه؛ إذ لم يخرج إلى الناس بتحليل، بل خرج بنهيق إعلامي حاول أن يلبسه سرج السياسة، ففضحته الحقيقة، وعاقبته هيئة الإعلام العراقية قبل أن يكتمل صدى الإساءة.
لم يكن ما صدر عنه رأيا سياسيا، ولا تحليلا عسكريا، ولا قراءة مرتبكة لملف معقد؛ كان ادعاء كاذبا خرج من فم مستعجل، وحاول أن يجر الأردن إلى مستنقع لا علاقة له به.
وحين تصدر هيئة الإعلام والاتصالات العراقية قرارا بمنعه من الظهور ستين يوما، فذلك لا يعني أن الجحيشي عوقب لأنه قال رأيا، بل لأنه باع وهما. فالرأي يحتاج عقلا، والتحليل يحتاج دليلا، أما التلفيق فلا يحتاج إلا شاشة، ومنبرا إعلاميا متساهلا، ولسانا يسبق ضميره إلى الهاوية.
أراد الجحيشي أن يسيء إلى الأردن، فإذا به يكتب شهادة سقوطه بيده. أراد أن يجعل من الأردن طرفا في رواية كاذبة، فإذا به يصبح هو الخبر، لا بوصفه محللا، بل بوصفه مثالا على السقوط الإعلامي.
الأردن ليس جدارا قصيرا يعلق عليه المتعجلون أوهامهم. وليس اسما يستدعى كلما احتاج أحدهم إلى فرقعة إعلامية. الأردن دولة تعرف وزنها، وتحفظ علاقاتها، ولا تهتز لأن صوتا متهافتا حاول أن يرمي عليها غبارا من حظيرة الادعاء.
بعضهم إذا امتطى شاشة ظن نفسه عنترة، وإذا ثار الغبار حوله ظنه غبار معركة. وهكذا فعل الجحيشي؛ امتطى تصريحا أعور، ولوح به كأنه رمح الحقيقة، وما كان في يده إلا قصبة جوفاء، تصفر فيها الريح ولا تسندها واقعة.
والأشد مرارة أن مثل هذه الإساءة لا تصيب الأردن؛ فالأردن أكبر من أن تجرحه جملة متهافتة. لكنها تسيء إلى الشاشة التي حملتها، وإلى المهنة التي تسترت بها، وإلى الجمهور الذي أريد له أن يبتلع كذبة مسيلمة الكذاب.
والإنصاف يقتضي أن يقال: العراق أكبر من هذا التصريح، والشعب العراقي الشقيق أرفع من أن يختصره صوت أخطأ الطريق إلى المعلومة. وقد كان قرار الهيئة العراقية صفعة مهنية؛ صفعة تقول إن الشاشة ليست زريبة للاتهامات، وإن العلاقات بين الدول ليست مرعى لكل من ظن أن الوقاحة شجاعة.
في الإعلام، الكلمة ليست رغوة. ليست طلقة عمياء. ليست لعبة يلهو بها من يريد الظهور. الكلمة مسؤولية، ومن لا يعرف وزنها فليترك المنبر الإعلامي قبل أن يتحول إلى شاهد ضده. ومن لا يملك الحقيقة، لا يحق له أن يتاجر باسمها. ومن لا يفرق بين التحليل والتلفيق، فالصمت له ستر، والظهور عليه فضيحة.
لقد أراد الجحيشي أن يجعل الأردن مادة في تصريح مضلل، فجعل من نفسه مادة في قرار منع. أراد أن يلوث صورة دولة، فخرجت الصورة أنقى، وبقي الوحل على أصابعه. أراد أن يبيع الكذب باسم الرأي، فجاءه الرد من بلده: أغلقوا الدكان ستين يوما.
وفي النهاية، لا يبقى من هذه الحادثة محلل ولا تحليل؛ بل منبر إعلامي خجل من صاحبه، وتصريح عاد إلى مرسله كالحجر، ودرس واضح لمن يخلط النهيق بالصهيل: ليس كل صوت مرتفع حقيقة، وليس كل من جلس أمام الكاميرا صار صاحب رأي، وليس كل من رمى الوحل على الأردن ينجو من اتساخ يديه.


























