نضال المجالي يكتب: المضاد الحيوي يدخل إلى جسد الحكومة الأردنية
نبأ الأردن -
عندما ترتفع حرارة الجسد إلى مستويات خطيرة، لا يعود الوقت مناسبا للمسكنات، بل يصبح العلاج الحاسم ضرورة لا تحتمل التأجيل، وكذلك هي الحكومات؛ عندما تواجه اختلالا يمس ثقة المواطنين، فإن أول جرعة علاج تبدأ بالمحاسبة.
ويبدو أن رئيس وزراء الحكومة الأردنية بدأ بالفعل أولى خطوات العلاج، فقد وجّه الدكتور جعفر حسان رسالة واضحة مفادها أن مرحلة التساهل قد انتهت، وأن مدونة السلوك والشفافية والإفصاح عن المصالح ليست نصوصا تُحفظ في الأدراج، وإنما قواعد تُطبق على الجميع دون استثناء.
وجاءت أولى الجرعات مع اتخاذ الإجراءات بحق وزير عامل في الحكومة، استنادا إلى ما أعلنته الحكومة رسميا بشأن مخالفته أحكام مدونة السلوك وعدم الإفصاح عن المصالح، في خطوة أكدت أن المسؤولية العامة ترتبط بالالتزام بالقانون وأعلى معايير النزاهة قبل أي اعتبار آخر.
هذه الخطوة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إجراء بحق شخص، وإنما باعتبارها إعلانا عن نهج جديد عنوانه أن الثقة لا تُبنى إلا بالمساءلة، وأن المنصب العام لا يمنح حصانة، بل يفرض مسؤولية مضاعفة في الالتزام بالشفافية وتجنب تضارب المصالح.
إن قوة الحكومات لا تُقاس بقدرتها على الدفاع عن أخطاء مسؤوليها، بل بشجاعتها في تصحيحها، والدول التي تحترم مؤسساتها هي التي تبادر إلى معالجة الخلل فور اكتشافه، لأن تأجيل العلاج لا يعني إلا اتساع رقعة المرض.
اليوم، يترقب الأردنيون أن تستمر هذه السياسة، وأن تمتد إلى كل موقع يستوجب المراجعة والمحاسبة، دون انتقائية أو تردد، فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بقرار واحد، وإنما بمنهج ثابت يجعل النزاهة معيارا، والكفاءة أساسا، وسيادة القانون مظلة للجميع.
لقد كانت الجرعة الأولى واضحة، لكن نجاح العلاج لن يقاس ببدايته، بل باستمراره، فكلما كانت المحاسبة عادلة، وطبقت المعايير على الجميع، ازدادت ثقة المواطن بأن الحكومة لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تعمل على حماية هيبتها وترسيخ قيم النزاهة والشفافية.
فالحكومات، كما الأجساد، تستعيد عافيتها عندما تُستأصل أسباب الخلل، لا عندما تُخفى أعراضه، وإذا كانت البداية قد حملت رسالة قوية، فإن المرحلة المقبلة مطالبة بأن تثبت أن هذه الرسالة ليست استثناء، بل نهج دولة لا يتراجع أمام أي مسؤول، مهما كان موقعه.

























