يحيى الحموري يكتب : الدول لا تسقط بالزلازل،، بل حين يسقط الضمير
نبأ الأردن -
هناك جرائم لا تقاس بما تبتلعه من أموال، بل بما تزرعه من يأس في قلوب الناس. وهناك مناصب لا يهدمها قرار إعفاء، وإنما يهدمها يوم يظن صاحبها أن الكرسي أقوى من القانون، وأن النفوذ يستطيع أن يفاوض العدالة، وأن المصلحة الخاصة تستطيع أن ترتدي عباءة المصلحة العامة.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر، ولا الحصار، ولا الأزمات الاقتصادية؛ بل أن يتسلل تضارب المصالح إلى مؤسسات الدولة كالدخان الأسود، فلا يُرى في بدايته، ثم لا يلبث أن يخنق الثقة، ويصادر العدالة، ويحوّل الوظيفة العامة من رسالة إلى صفقة، ومن أمانة إلى غنيمة.
الدولة التي تحترم نفسها لا تكتفي بإغلاق الباب بعد دخول الفساد، بل تسأل: من فتح الباب؟ ومن تركه مفتوحًا؟ ومن صمت وهو يرى الخلل؟ فالعدالة لا تكتمل بمساءلة الفاعل وحده، بل تمتد إلى كل من قصّر، أو غفل، أو تستر، أو جعل من الصمت شريكًا في الخطأ.
إن المنصب العام ليس ملكيةً خاصة، ولا إرثًا عائليًا، ولا امتيازًا اجتماعيًا، بل هو عهد بين المسؤول والوطن. فإذا اختل هذا العهد، اهتزت هيبة الدولة قبل أن تهتز صورة المسؤول، لأن الشعوب لا تفقد ثقتها بالأشخاص فحسب، بل بالمؤسسات التي عجزت عن منع الخلل قبل وقوعه.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ باستقالة، ولا ينتهي بإقالة، وإنما يبدأ ببناء منظومة تجعل مخالفة القانون مستحيلة، لا مجرد مغامرة قد تنجح وقد تُكتشف. فلا حصانة أمام النزاهة، ولا استثناء أمام القانون، ولا اسم يعلو فوق الدولة.
إن الوطن بحاجة إلى ثورة مؤسسية هادئة، عنوانها الشفافية، وعمادها الرقابة، وروحها المساءلة. نحتاج إلى إعلان المصالح المالية وفق القانون، وإلى رقابة استباقية على العقود والعطاءات، وإلى حماية كل من يكشف الخلل، وإلى محاسبة لا تعرف المجاملة، وإلى مؤسسات تراجع نفسها قبل أن يراجعها الناس.
فهيبة الدولة لا تُقاس بعدد المراسيم، بل بعدد المرات التي ينتصر فيها القانون على النفوذ، وتنتصر فيها المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وينتصر فيها المواطن البسيط على كل أشكال الواسطة والمحسوبية.
التاريخ لا يحفظ أسماء الذين مرّوا على الكراسي، بل يحفظ من صانوا الأمانة، ويكشف من ظنوا أن المنصب جدار يحجب عنهم الشمس. فالكرسي يرحل، ويبقى الأثر؛ والسلطة تنقضي، ويبقى الحساب؛ أما الوطن، فإنه لا ينهض إلا حين يدرك الجميع أن الدولة ليست مزرعة لأحد، ولا شركة لعائلة، ولا غنيمة لفئة، بل بيتٌ كبير لا يقوم إلا على العدل.
وحين يصبح القانون سيدًا لا تابعًا، والمساءلة قاعدة لا استثناء، والنزاهة ثقافة لا شعارًا، عندها فقط، لن نخشى على الدولة من فسادٍ عابر، لأن مؤسساتها ستكون أقوى من الأفراد، وأبقى من المناصب، وأرسخ من كل نفوذ.
يحيى الحموري

























