د. عبدالله محمد القضاه يكتب: عندما تتقدم المسؤولية السياسية على الجدل
نبأ الأردن -
في البلاد التي تسعى لترسيخ دعائم دولة المؤسسات وسيادة القانون، لا تُقاس قوة الحكومات بمدى كفاءتها في إدارة الملفات الاقتصادية أو السياسية فحسب، بل تتعدى ذلك إلى التزامها بأعلى معايير النزاهة والحوكمة الرشيدة، وقدرتها على اتخاذ قرارات قد تبدو صعبة، لكنها حتمية لصون الثقة العامة.
وفي هذا السياق، يمثل الإعلان عن طلب دولة رئيس الوزراء من وزير العمل تقديم استقالته، استنادًا إلى أحكام مدونة السلوك الوزارية وفي ضوء ما أثير حول تعارض المصالح، رسالة مؤسسية بالغة الأهمية تستدعي التوقف عندها مليًا، بمعزل عن الأشخاص أو المناصب.
تختلف المسؤولية السياسية جوهريًا عن المسؤولية القانونية. فالأولى تُعنى بحماية سمعة المؤسسات وتعزيز الثقة العامة، ومنع أي شبهة قد تمس نزاهة القرار الحكومي. أما المسؤولية القانونية، فتبقى خاضعة للإجراءات القضائية والرقابية المختصة، مع التأكيد على أن قرينة البراءة مبدأ دستوري لا يجوز المساس به.
تكمن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة في أنها تؤكد أن مدونة السلوك الوزارية ليست مجرد وثيقة بروتوكولية، بل هي إطار حاكم للسلوك العام، وأن الالتزام بها يتجاوز مجرد تجنب المخالفات القانونية ليشمل تفادي أي حالة قد تُفسر على أنها تضارب في المصالح، حتى وإن لم يثبت أي خرق قانوني مباشر.
كما أن توجيه وقف العطاءات وفق الأصول القانونية يعكس نهجًا وقائيًا يهدف إلى حماية نزاهة الإجراءات الحكومية وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين. هذا النهج ينسجم تمامًا مع مبادئ الإدارة الرشيدة والشفافية التي تسعى الدولة الأردنية إلى ترسيخها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب ترسيخ ثقافة جديدة في الإدارة العامة، يكون فيها المسؤول أول من يتحمل المسؤولية السياسية عند ظهور أي ظرف قد يؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسسات. فتعزيز الثقة لا يتحقق بالشعارات الرنانة، وإنما بالممارسات الفعلية التي تؤكد أن المصلحة العامة تعلو فوق كل اعتبار.
واليوم، ونحن نمضي قدمًا في مسيرة التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، فإن الحفاظ على هيبة المؤسسات يقتضي أن تظل معايير النزاهة والشفافية والمساءلة فوق الجميع، وأن تُطبق على الجميع دون استثناء. فقوة الدول تُبنى على عدالة مؤسساتها، واستقلالية قراراتها، وثقة مواطنيها بها.
ختاما، الدول لا تُبنى بالأشخاص مهما علت مناصبهم، وإنما تُبنى بالمبادئ الراسخة التي تحكم عمل مؤسساتها. وكلما انتصرت هذه المبادئ، ازدادت الدولة قوة ومنعة، وترسخت ثقة المواطن بأن سيادة القانون والحوكمة الرشيدة ليستا مجرد شعار، بل هما نهج راسخ في إدارة الشأن العام.

























