اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ميسر السردية تكتب : حكي ما عليه جمرك

ميسر السردية تكتب : حكي ما عليه جمرك
نبأ الأردن -
ولأن التعارف من السنة أولاً، مع أن تعارفي هذا لا يندرج إلا تحت ما تعودناه من مد حبل الحديث في الأسواق على أمل المراعاة في السعر، أو مثلاً وصل الود مع بواب مستشفى كي نزرق في غير موعد زيارة المرضى، أو مواطأة للتوسط عند شبه مسؤول، إضافة لأنني أحب الحكي مع الهوا الطاير، وحتى يصل بي كثيراً الأمر لتبادل أرقام الهواتف مع مراجعات عيادات الأسنان وزميلات التسوق في سوق الجمعة.. وهذا طبع أحاول تغييره ولكن بدون جدوى.. ففمي لا يكل ولا يمل، ولا أدري إن كانت عائلتي تبالغ  في زعمهما أنني   في نومي أهذي بكلمات لا يُفهم ولا يُستبان منها جملة مفيدة.

كان في محل الأحذية شابان أفروأمريكان، هششت وبششت لهما وأنا أقيس الأحذية، وأول ويقال رسل الحديث ابتسامة، ومع أن الأسعار واضحة ولا مجال للمساومة في قاموسهم الرأسمالي وحلف الإيمان شرعت مهما كليشيهاتنا المعهودة حول الجودة والأسعار، الخ.. وكأنني في محل أحذية "رهام شوز" في نص المفرق، يعني شعور الحلي والمحلي. وحديث يجر حديث، عرفتهم بنفسي، ولو أنهم يفهمون ويقرؤون ورق، لشدوت بهم وأنا أُشقل طرف شفتي ساخرة: "نحن بنات طارق نمشي على النمارق".. الحاصل قلت لمن بدأت رغبته بمواصلة بالحكي معي: يو ناو مايكل جوردان؟! فأومأ برأسه: يس.. - وهذا لا أعرف عنه إلا أنه من أصول أفروأمريكان، ومشهور عالمياً كلاعب كرة سلة لا تُكسر شوكته- هيز فرم ماي كنتري.. تبسم: ناووو.. نوو.. نوو
صفنت.. وتداركت سريعاً: أوك، يو ناو سيريا.. .. كانت وقتها سوريا ترن في وكالات الأخبار والصحافة الأمريكية عشرة بلدي .. ولكن الخلبوص لم يعرفها أيضاً.. وبدل أن أختصر وأتأبط حذائي تحت إبطي وأمضي، استمررت في التصدي لجهل الشاب.. صار الأمر بالنسبة لي قضية عربية بحتة، ودار بخلدي أن هذا لم يقرأ الكتب المقدسة، ولم يطلع على التاريخ والحضارة وسيرة مالكوم إكس ولا محمد علي كلاي، وكل ما خُط وشُط من فكر الاستشراق، ولا يتابع رحى حروبهم التي تهرسنا حتى لحظة حذائي هذه.. ولأن المؤمن كيس فطن.. قلت لنفسي قد يكون هذا يهودي.. ولما لا.. ويقصد إغاضتي، لارتعدت فرائصه خوفا وكر صاغرا تاريخي التليد وأسما دولنا وعدد سكانها وأرقام موازناتها ومديونياتها وسجونها وجامعاتها ومخابزها وأثرياءها وعدادت المياه والكهرباء وقيمة فواتيرنا فوقهن.. بس أخ يا زمن..، بإنكار معرفة قومي، ولو سمع رجل منهم الآن يقول: "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.. متى أضع العمامة تعرفوني" .. تحسست الحذاء، فلا عمامة ولا كمامة أحطها أو أضعها.. فطنت لما لا يستطيع تجاهله، فسألت بحزم، عاقدة الحاجبين، مغضنة الجبين : أوك مان، يو ناو.. إيجيبت.. فرئون.. كليوبترا، أهرام.. ئمر الشريف سينما ... هز رأسه ضاحكاً.. نو نو.. ودار وجهه لزبونة دخلت.. فكرت بعدم الشراء كنوع من الاحتجاج أسجله على بائع الأحذية.. تراجعت.. السعر طري والكندرة ماركة ومحرزة.. انسحبت من معركة التعارف والتعريف مهزومة، ولا هزيمة رومل أمام مونتغمري في صحراء العرب .. وانسللت أفكر كيف صغّرت عقلي وأضعت وقتي في مناقشة صبي في محل قد لا تتجاوز معلوماته الجغرافية والتاريخية والثقافية معلومات جدتي عن الصواريخ الباليستية.. حتى فاتني غداء الفندق فتكلفت بشراء ساندويتش همبرغر، الله وحده يعلم أصل عجلة وفصله ومصله.

هاتفت قريب لي هاجر منذ زمن أرض الأحلام والإيلام، حدثته بالواقعة، فقهقه قهقة تشبه قهقهات أجدادي أيام الجاهلية: مهبولة أنتِ، منتشرة بالأسواق والمحلات تسولفي من وين.. حطي خارطة بجيبتك ودوري بشوارع منهاتن بالمرة ... قرابة يا أبوي : ترى يمكن نص الشعب الأمريكي ما بيعرفش شو اسم رئيسهم ولا يتفرجوا على تلفزيونات، ويمكن ما بيعرفش اسم الولاية اللي على حدود ولايته ولا كأس عالم وكرة قدم من أصلا .. أقسم بالله أنك نهفة.. خذلك، يعني أنتِ زعلانة على أساس كاينه تفاوضي كيسنجر على أمتار وأشبار الشرق الأوسط..

وحكي يجر حكي.. من فترة لمحت خبر يتعلق بتصريح لوزيرة حالية، حتى بحثت عنها في جوجل .. بلاش أكمل حكي وابلش بلشة غليص، وخاصة أنني من فئة مواطن "طويل لسان قليل إحسان" .. .. تصدق بالله يا زميلي المواطن، أني سهرت البارحة مع جاراتي وكنت استعرض التحليل والتفكيك والتركيب السياسي، وعندما ذكرت لهن أسم رئيس وزراء حكومتنا الفاعل من باب استعراض المعرفة به وأن "أيدي طايلة.. بس أنا مابدي" أن ولا واحدة من هن عرفته، ولا حتى الذين سبقوه، مع أن بعضهم بات مسيطرا - على الأقل- جاهات خطبة العرايس أكثر مما سيطر أبو زيد الهلالي في تعاليل شتاء الأيام الخوالي ... عموماً لا أدري لِمَ هريت كل هذا الهري.. إلا أنني أحكي وأنا أحكي فأحكي، وذلك كذلك لا أدري لماذا تذكرت الآن فيلم" عنتر شايل سيفه".
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions