اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

جهاد مساعدة يكتب: صيادو الماء العكر على ضفاف السوشال ميديا

جهاد مساعدة يكتب: صيادو الماء العكر على ضفاف السوشال ميديا
نبأ الأردن -
بعضهم لا يدخل إلى الوطن من باب المحبة، بل من ثقب العثرة؛ لا يبحث عن نبضه، بل عن خدش صغير يوسعه حتى يصير مادة للتشهير. يفتش في تصريح مسؤول، أو خطأ مؤسسة، أو ارتباك مشهد، عن فتحة يطل منها بوجه الغيرة الكاذبة. لا يحمل للوطن ضمادا، بل مقصا؛ يقطع الكلام، ويشوه المعنى، ويبيع الوجع للناس على أنه بطولة. هؤلاء لا يدافعون عن الوطن؛ إنهم يتاجرون بتعبه، ولا يكتبون من وجعه، بل يكتبون عليه.
في الأزمات لا يصعد الوعي وحده؛ يطفو معه الوحل أيضا. تخرج وجوه لا علاقة لها بالفهم، ولا بالنقد، ولا بالحقيقة؛ وجوه لا ترى في الخطأ مناسبة للتصويب، بل وليمة للتشهير. لا يعنيها أن يصفو المشهد، لأن صفاءه يقطع رزقها، ولا أن تكتمل الرواية، لأن اكتمالها يفضح تجارتها.

هؤلاء هم صيادو الماء العكر؛ قوم لا يحملون قضية، بل صنارة. لا يملكون موقفًا، بل كمينًا. لا يبحثون عن حقيقة، بل عن ثقب صغير في جدارها يدخلون منه بخناجرهم. يرمون الحجر في الماء، ثم يقفون على الضفة بثياب الوعاظ قائلين: انظروا كم صار الماء ملوثا.

وقد منحتهم وسائل التواصل الاجتماعي سوقًا مفتوحًا: هاتف، وحساب، وصورة شخصية، وعبارة منتفخة عن الوطنية أو النزاهة، ثم تبدأ الحرفة القذرة؛ منشور مفخخ، عنوان ملغوم، مقطع مقصوص، وتصريح مجتث من سياقه كما تجتث الشجرة من جذرها.

ومن أخبث أدواتهم اجتزاء التصريحات. يأخذون الجملة من منتصفها، ويحذفون صدر الكلام وسببه وخاتمته، ثم يقولون ببراءة كاذبة: أليس هذا ما قيل؟ لا، ليس هذا ما قيل؛ هذا ما بقي بعد أن مر مقص الحقد على الكلام. هذا ليس نقلا، بل ذبح للمعنى، وليس قراءة، بل تزوير يرتدي قناع الرأي.

صياد الماء العكر لا ينقل التصريح؛ يذبحه على عتبة التأويل، ثم يمسح السكين بثوب الحقيقة. لا يبحث عن المقصود، بل يصنع مقصودا مسموما على مقاس شهوته في الإدانة. يدفن السياق حيا، ويجر الجملة من رقبتها إلى سوق التشهير، عارية من معناها، مشوهة بيديه، مذعورة من نسبتها إليه، ثم يبيعها للناس كأنها وثيقة إدانة، وما هي إلا شظايا معنى بعثرها مقص الحقد.

بعضهم إذا امتطى حماراً ظن نفسه عنترة، وإذا ثار الغبارُ حوله ظنه غبارَ معركة. وهكذا يفعل متصنعو السوشال ميديا؛ يمتطون تصريحا مبتورًا أو لقطة ناقصة أو جملة منزوعة من سياقها، ثم يظنون أنهم دخلوا ميدان الحقيقة، وما دخلوا إلا زريبة التشهير بثياب الفرسان.

إذا وقع خطأ، لا يسألون عن سببه، بل عن أسرع طريق لتكبيره. وإذا ظهرت زلة، لا يبحثون عن سياقها، بل عن زاوية تصلح للطعن. وإذا خرج التصريح كاملا، قالوا بوقاحة: لا يهم، فقد وصل المعنى. وأي معنى هذا الذي يولد من الحذف والقص والتدليس؟ وأي نزاهة تبدأ بالمقص وتنتهي بالتشهير؟

في داخل كل واحد منهم دكان صغير: مقص صدئ، ميزان مكسور، حبر مسموم، وعناوين جاهزة لأي ضحية قادمة. لا يصنعون قيمة، فيعيشون على النيل من قيم الآخرين. لا يملكون مشروعًا، فيحولون عثرات الناس إلى مهنة.
هؤلاء لا ينتقدون؛ يتلذذون. لا يحاسبون؛ يتشفون. لا يملكون شجاعة المواجهة، فيطعنون من الزوايا. يلبسون وجه الحريص، وفي الداخل سمسار صغير يبيع الشماتة بورق المصلحة العامة. يرفعون شعار الحقيقة، ثم يقطعونها نصفين حتى تلائم كراهيتهم.

الاصطياد في الماء العكر ليس نقدا؛ إنه انحطاط له صنارة. وليس جرأة؛ إنه جبن وجد لحظة مناسبة. وليس دفاعا عن الحقيقة؛ إنه اعتداء عليها باسمها. فالحقيقة عند هؤلاء لا قيمة لها إلا إذا كانت ناقصة، مشوهة، قابلة للتعليق على حائط التشهير.

في هذا الزمن الرقمي، لم يعد صياد الماء العكر يحتاج إلى نهر؛ يكفيه تصريح مجتزأ، وحساب مفتوح، ويد ملوثة تعرف كيف ترمي سمّها ثم تكتب فوقه: رأي حر. يكفيه أن يسرق جملة من سياقها، ويمنحها عنوانا مسموما، ثم يتركها تنهش صاحبها بين التعليقات.

هكذا يصنعون مستنقعهم الحديث: مقطع مبتور، وتعليق مسموم، وجمهور مستعجل، وناقد مزيف يخلط بين الوقاحة والموقف. لا يعنيه أن يظلم، أو يشوه، أو يقتل المعنى؛ كل ما يعنيه أن يخرج من المشهد وفي يده صيد رخيص، انتزعه من ماء عكره بنفسه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions