العين ميشيل نزال يكتب السياحة: رسالة الأردن الحضارية إلى العالم
نبأ الأردن -
المقدمة: عندما تتحدث الحجارة بصوت أعلى من الأرقام
نعم، الحكومة على وشك أن تقول "الصناعة أفضل"، والسياحة تتأثر وتأثرت بسبب الإقليم. هذا كله صحيح من منظور الربح والخسارة، ومن منظور جدول الأعمال. ولكن هناك زاوية أخرى، أعمق وأبقى، يجب أن لا تغيب عنا: السياحة هي هوية الأردن، وهي صوته في العالم.
أولاً: السياحة تُعرّف العالم بجوهر الأردن
عندما يأتي سائح إلى الأردن، لا يأتي ليأكل ويشرب وينام فقط. يأتي ليشهد تاريخاً يمتد لآلاف السنين. البترا ليست مجرد معلم سياحي، بل هي رسالة حجرية عن عبقرية الأنباط. وادي رم ليس مجرد صحراء، بل هو لوحة فنية رسمتها الطبيعة. البحر الميت ليس مجرد بحيرة، بل هو معجزة جيولوجية.
هذه الأماكن هي سفراء الأردن الصامتون. كل صورة يلتقطها سائح، وكل منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وكل قصة يرويها عند عودته إلى بلده—هذه هي الدعاية المجانية التي لا يمكن لأي ميزانية إعلامية أن تشتريها.
ثانياً: السياحة تُشكّل الصورة الذهنية للأردن
في عالم تتصدر فيه الأخبار السلبية عن المنطقة، الأردن بحاجة إلى قنوات بديلة لتوصيل صورته إلى العالم. السياحة هي واحدة من أقوى هذه القنوات، لأنها:
تُظهر الوجه الحقيقي للأردن: شعباً مضيافاً، ودولة آمنة ومستقرة، ومجتمعاً منفتحاً.
تُبدد الصور النمطية: عندما يسافر أوروبي أو أمريكي إلى الأردن، يرى بعينيه أن هذا البلد ليس ما تصوره وسائل الإعلام عنه.
تُبني جسوراً ثقافية: كل سائح يعود إلى بلده حاملاً قصة إيجابية عن الأردن هو سفير إنساني لنا.
ثالثاً: السياحة وأهميتها في ظل العزلة الإقليمية
نعم، الإقليم مشتعل. نعم، السياحة تضررت. لكن تجميد القطاع الآن له تبعات تتجاوز الخسائر المالية:
فقدان الحضور في الخارطة السياحية العالمية: المنافسون (مثل مصر وتركيا والإمارات) لا يتوقفون عن الترويج لأنفسهم. كل يوم تغيب فيه الأردن عن المشهد، نخسر حصة سوقية قد لا نستعيدها بسهولة.
إرباك الشراكات الدولية: وكالات السفر العالمية تحتاج إلى استمرارية. إذا توقفت رحلاتنا، ستنتقل عقودهم إلى وجهات أخرى.
تآكل الصورة الآمنة: الأردن بُني على مدار عقود كـ "جزيرة استقرار". الحفاظ على هذه الصورة يتطلب استمرار الحركة، ولو بمستويات متواضعة.
رابعاً: السياحة كأداة للوعي المجتمعي والتحول الثقافي
وهنا نصل إلى النقطة التي أشرت إليها: السياحة تخلق الوعي عند المجتمعات، والثقافة من خلال السياحة.
التواصل مع العالم الخارجي: السياحة تكسر العزلة، وتُعرّف المجتمعات المحلية بثقافات أخرى، وتوسع آفاقهم.
الوعي بالتراث: عندما يرى المواطن الأردني سائحاً من اليابان أو البرازيل يلهث وراء مشاهدة البترا، يدرك قيمة ما لديه.
ثقافة الضيافة والانفتاح: السياحة تُعزز قيماً مثل التسامح، واحترام الآخر، والاعتزاز بالوطن—قيم أساسية لبناء مجتمع مدني متطور.
شاهدنا هذا في البترا مؤخراً: احتجاجات التجار ضد الإيجارات المرتفعة كانت تعبيراً عن وعي مجتمعي ناشئ، وعن ثقافة سياسية بدأت تتشكل بفعل التفاعل مع العالم الخارجي.
خامساً: الأردن "مركز ثقافي وحضاري" وليس مجرد "منتج سياحي"
الأردن ليس منتجاً استهلاكياً. الأردن هو:
مهد الحضارات.
ممر الديانات التوحيدية.
ملتقى الثقافات العربية والإسلامية.
السياحة هي الأداة التي تترجم هذه المكانة إلى نفوذ ثقافي و قوة ناعمة في العالم. حتى لو لم تكن الإيرادات مذهلة في سنوات الأزمات، فإن استمرار السياحة يضمن أن يظل الأردن حاضراً في الضمير الجمعي للعالم.
الخاتمة: السياحة استثمار في المستقبل
نعم، الصناعة صامدة. لكن السياحة هي الوجه الذي يُعرّف العالم بنا. هي الاستثمار في:
صورة الأردن لدى الشعوب.
وعي الأردنيين بأنفسهم وتراثهم.
مستقبل الأردن كمركز ثقافي وحضاري.
الأزمات الإقليمية زائلة، لكن العلامة التجارية التي تبنيها السياحة هي التي تبقى. وعلى الحكومة أن تدرك أن استمرار الدعم للسياحة، حتى في أصعب الأوقات، هو استثمار في هوية الأردن، وليس فقط في اقتصاده.


























