د. ماهر القيسي يكتب: غلاء الأسعار... إلى أين يمضي المواطن؟
نبأ الأردن -
لم يعد غلاء الأسعار خبرًا يتصدر نشرات الاقتصاد، ولا رقمًا يضاف إلى تقارير التضخم، بل أصبح الهاجس الأكبر الذي يرافق المواطن منذ خروجه من منزله وحتى عودته إليه، فكل زيارة إلى السوق تحمل معها مفاجآت جديدة، وكل فاتورة أصبحت تروي قصة معاناة تتكرر يومًا بعد يوم، في وقت لم تعد فيه دخول معظم الأسر قادرة على مجاراة هذا الارتفاع المتسارع في تكاليف الحياة.
المواطن اليوم لا يبحث عن الرفاهية، ولا يطالب بالكماليات، بل يسعى إلى تأمين أبسط مقومات العيش الكريم، غير أن الواقع بات يفرض عليه خيارات قاسية؛ فإما أن يقلص احتياجات أسرته، أو يؤجل التزاماته، أو يلجأ إلى الاقتراض لتغطية نفقات لم تكن يومًا تشكل عبئًا عليه، والأسوأ من ذلك أن هذا المشهد يتكرر حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وكأن الغلاء قدر لا يمكن تغييره.
ولا شك أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات متلاحقة، وأن كثيرًا من الدول تأثرت بالأزمات الدولية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة وسلاسل التوريد، لكن هذه الحقائق لا ينبغي أن تكون مبررًا لاستمرار الضغوط على المواطن دون البحث عن حلول عملية تخفف من آثارها، فالمواطن هو الحلقة التي تتحمل في النهاية نتائج كل أزمة اقتصادية، وهو الطرف الأقل قدرة على امتصاص الصدمات.
وفي المقابل، فإن الأسواق تحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية، وإلى مواجهة حازمة لكل أشكال الاحتكار والمغالاة غير المبررة في الأسعار، فالتجارة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للربح، والربح المشروع لا يقوم على استغلال حاجة الناس أو تحميلهم أعباء لا تحتملها دخولهم،
كما أن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة مستمرة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق التوازن بين حماية النشاط الاقتصادي وصون القدرة الشرائية للمواطن. فالنجاح الحقيقي لأي سياسة لا يقاس بحجم الأرقام والإحصاءات فحسب، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الناس، وقدرتهم على توفير احتياجاتهم الأساسية بكرامة واستقرار،
إن المواطن لا ينتظر وعودًا كثيرة، بل ينتظر خطوات ملموسة يشعر بها في السوق، ويرى أثرها في فاتورة الغذاء والدواء والمواصلات والتعليم. فالاستقرار الاقتصادي يبدأ من استقرار معيشة الأسرة، والتنمية الحقيقية لا تكتمل إذا بقيت شرائح واسعة من المجتمع تواجه صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية.
إن معالجة غلاء الأسعار ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تكاتف الحكومة، والقطاع الخاص، والمؤسسات الرقابية، والتجار، والمستهلكين. فحين تتكامل الأدوار، وتغلب المصلحة العامة، يصبح بالإمكان بناء سوق أكثر عدالة، واقتصاد أكثر توازنًا، ومجتمع أكثر استقرارًا.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطن كل صباح:
إلى متى ستظل الأسعار ترتفع أسرع من الدخل؟ إنه سؤال لا يبحث عن إجابة إعلامية، بل عن حلول واقعية تعيد التوازن بين دخل الإنسان ومتطلبات حياته، وتحفظ له حقه في العيش الكريم، وهو حق لا ينبغي أن يكون محل تفاوض أو انتظار.

























