اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء
نبأ الأردن -
" السلام المنتظر ... أو حين أقنعوا العصافير أن قصَّ الأجنحة هو أول شروط الطيران" 
 
    
لم تعرف الغابة في تاريخها مهرجانًا للفرح يشبه ذلك الذي أقامته الببغاوات يوم أعلنت أن زمن الخوف قد انتهى وأن عصر السلام قد بدأ، وكانت الطبول تُقرع فوق جذوع الأشجار بينما كانت الحيوانات تنظر إلى السماء فتجد الصقر يحلّق في المكان نفسه لا ينقص من ارتفاعه شيء ولا يتغير في نظرته شيء وكأن الاحتفال كله أقيم من أجل راحته وحده.
وقف الثعلب على منصة عالية يقرأ الوثيقة بصوت احتفالي وأخذ يردد أن الغابة مقبلة على مرحلة جديدة يسودها الأمن والاستقرار، ثم طلب من الذئاب والنسور والوعول أن يضعوا أنيابهم ومخالبهم وقرونهم في صناديق كبيرة كتب عليها "مستودعات السلام" لأن الثقة لا تبدأ إلا عندما يشعر الصقر أن أحدًا لم يعد قادرًا على إزعاجه.

   سألت البومة بصوت هادئ لماذا يُطلب من سكان الغابة التخلي عن كل وسائل الحماية قبل أن يعيد الصقر الأعشاش التي احتلها أو الأغصان التي استولى عليها، فابتسم الثعلب وقال إن هذه الأسئلة لا تساعد على نشر التفاؤل وإن الحكمة تقتضي تأجيل الحديث عن الحقوق إلى ما بعد نجاح السلام لأن الحقوق بطبيعتها تأتي لاحقًا إذا رضي الأقوياء عنها.

   ثم أعلن المجلس أن الشكاوى القديمة لم تعد مناسبة لروح المرحلة وأن مراجعة محكمة الحيوانات أو مجلس الغابات الكبير أصبحت من مظاهر التشدد غير المحبذة، وأن أفضل وسيلة لحماية المظلوم هي أن يتعلم الصمت حتى لا يحرج الظالم أو يفسد أجواء الحوار التي يجري الإعداد لها منذ سنوات.

   ولأن السلام الجديد كان شديد الحساسية فقد تقرر أن تخضع أكياس القمح وأغصان البناء وجرار الماء لفحص دقيق قبل أن تصل إلى الجحور المهدمة، وأن يحق لحراس البوابة منعها إذا ساورهم أدنى شك في أن الحيوان الجائع قد لا يكون محبوبًا لدى الصقر أو قد يكون أحد أقاربه قد نظر يومًا إلى السماء بطريقة لم تعجبه.
ولم يكتف مجلس الغابة بذلك بل رحب بحكماء من خارج الأحراج كي يساعدوا الحيوانات على تنفيذ التعليمات ويشرحوا لها معنى السيادة الجديدة، وكانت المفارقة أن الغرباء صاروا يعرفون تفاصيل الغابة أكثر من أهلها بينما أخذت الحيوانات تتلقى دروسًا يومية في الوطنية من زوار لم يزرعوا فيها شجرة ولم يشربوا يومًا من أنهارها.

   وحين انتهى الاحتفال وقف الصقر فوق أعلى شجرة وألقى نظرة طويلة على الحاضرين ثم فرد جناحيه في هدوء وكأنه يعلن أن الغابة أصبحت أكثر أمنًا من أي وقت مضى، ولم يسأل أحد أمن من يزداد أو على حساب من يتحقق هذا الأمن لأن الأسئلة في تلك الغابة كانت تُعد مخالفة لآداب الاحتفال ولحسن استقبال المستقبل.

   عادت الحيوانات إلى جحورها تحمل نسخًا مزخرفة من الوثيقة وتبادل بعضها التهاني لأنها نجحت في توقيع اتفاق قيل إنه سيوقف الخوف، أما البومة فقد بقيت وحدها تكتب في دفترها العتيق أن الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء لا تخشى الحروب بقدر ما تخشى الأيام التي يُطلب فيها من الضحية أن تثبت حسن نيتها أولًا وأن تدفع ثمن السلام كاملًا بينما يحتفظ الأقوياء بحق تفسير البنود وتعديلها كلما تغير اتجاه الريح.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions